من السهل جداً أن تمتلك حنجرة قوية تطلق الشعارات في فضاء المنصات، ومن الأسهل أن ترسم خرائط وهمية للحروب وأنت تحتسي قهوتك خلف شاشة هاتفك، لكنّ إدارة الدول وحماية الأمن القومي لا تُبنى بـ “اللايكات” أو بالعواطف الجياشة التي تفتقر إلى إدراك فقه الواقع.
إلى هؤلاء “الحنجوريين” الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً حول القواعد العسكرية المصرية خارج الحدود، متسائلين بخبث أو بجهل: “لماذا التوسع والحدود مشتعلة؟”، نرد عليهم بلغة العقل والمنطق، لا بلغة الصراخ.
أولاً: فقه الجغرافيا وحقائق الميدان
إن الأمن القومي المصري ليس حبيساً للحدود المرئية فقط، بل هو يمتد حيث توجد مصالح مصر وحيث يتهدد استقرارها. إن وجود قواعد عسكرية أو نفوذ استراتيجي في البحر الأحمر أو في عمق المتوسط ليس نزهة، بل هو استباق لقطع الطريق على قوى إقليمية ودولية تحاول خنق الشريان الاقتصادي والأمني لمصر. أما الحديث عن غزة التي تبعد أمتاراً، فهو حديث حقٍّ يُراد به باطل؛ فمصر لم تكن يوماً إلا السند، ولكنها دولة مؤسسات تعرف متى تتحرك وكيف، ولن تُقاد بمشاعر العواطف الموجهة من غرف عمليات إلكترونية تعيش في عواصم الضباب.
ثانياً: خريطة الطريق للمزايدين
إذا كانت الغيرة على فلسطين هي المحرك الحقيقي، فلماذا تتركون حدودكم المفتوحة وتنظرون إلى مصر؟
للجوار القريب: مَن يملك حدوداً برية مباشرة، الطريق أمامكم لا يحتاج لتأشيرة “تنظير” على الجيش المصري.
لمن في البعيد: البحر والبر والجو متاح، وقواعد الآخرين التي تتباكون عليها موجودة في أراضيكم، فابدأوا بأنفسكم قبل توجيه السهام لقلب العروبة النابض.
نصيحة مخلصة.. علّ الذكرى تنفع!
كفوا عن المتاجرة بقضية هي في وجدان كل مصري بالفطرة لا بالشعار. إن الجيش المصري ليس “مرتزقة” لدى أجنداتكم، بل هو درعٌ صلب يحمي دولة واجهت ما لم تواجهه أمة في العصر الحديث من مؤامرات وتفتيت.
يا هؤلاء:
السيادة لا تُجزأ، والقرار العسكري المصري نابع من تقدير موقف احترافي يحمي 110 مليون إنسان، ويحفظ توازناً إقليمياً هشاً. إذا تحركتم بصدق، سنكون أول الداعين لكم، أما إذا كان دوركم هو مجرد “التنظير” ومحاولة كسر هيبة الجيش الوحيد الصامد في المنطقة، فأبشروا بالخيبة؛ فمصر وجيشها أكبر من كلماتكم، وأذكى من فخاخكم.
اتركونا في حالنا.. وابنوا أوطانكم، ففلسطين لن تتحرر بالكلام ، بل بقوة العرب أجمعين حين يدركون أن العدو ليس “القاعدة العسكرية المصرية”، بل هو الجهل والفرقة والمزايدة.