جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة والتحرير وجدى وزيري
الرد الإيراني الأخير في المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية و إيران ، يعكس بوضوح تغير مفهوم النظرة التفاوضية ،
واستراتيجيات التفاوض بين الطرفين .
طهران لا تتعامل مع التفاوض ، بإعتباره بوابة لتقديم تنازلات استراتيجية ، و إنما كأداة للصبر الاستراتيجي ، و النفس الطويل ،
و إستغلال عنصر الوقت كورقة ضغط ، و قد نجحت في مدي إستغلال ذلك طوال فترة التفاوض ، رغم كل التحديات و فرض قيود الحصار الأمريكي البحري الخانق المفروض علي إيران منذ ما يقرب من أسبوعين ، و رغم الضغوط السياسية و الاقتصادية ، دون أن تتأثر بها ، وربما سبب تحمل طهران كل هذه الضغوطات هو قدرتها الفائقة علي التحمل والصبر منذ ما يقرب من 47 سنة من العقوبات الاقتصادية و الحصار الدولي الواقع علي الدولة الإيرانية منذ عام 1979 ، دون أن تتأثر أو ينعكس ذلك علي قدرتها علي الصمود في توجيه إرادتها السيادية في إتخاذ القرار أثناء العملية التفاوضية.
و كان من الواضح منذ البداية و أثناء مجريات التفاوض غير المباشرة، أن طهران أستخدمت التفاوض كأداة لإدارة الأزمة و منع تحولها الي مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة الأميركية ، فقد استخدمت لغة الحوار و التفاوض مع غريمها الولايات المتحدة ، إبتداء الإستعداد للتفاوض ، مع الحفاظ في الوقت نفسه علي عناصر القوة التي تعتبرها الدولة جزء من أمنها القومي ، و هيبتها السياسية.
و اللغة التي تتبعها الإرادة السياسية الإيرانية ، خلال الأيام الأخيرة توحي أن طهران تسعي إلي إتفاق يخفف الضغوط الاقتصادية و العسكرية ، لكنها لا تريد إتفاقا ، يفسر داخليا” أو خارجيا” بإعتباره تراجعا” تحت الضغط الأمريكي .
و لهذا ركزت التصريحات الرسمية علي مفاهيم معينة مثل ” الحل المتوازن ” ” و الإحترام المتبادل “.
مع إصرار الجانب الإيراني في المفاوضات علي إثبات مع التأكيد ، علي أن تخصيب اليورانيوم حق سيادي غير قابل للتفاوض من حيث المبدأ .
و المشكلة في العملية التفاوضية بين طهران وواشنطن ، ليست هي إجبار إيران علي الحد من أنشطتها النووية و إستكمال برنامجها في تخصيب اليورانيوم ، أو تحديد نسبة التخصيب ، أو في تنفيذ جدول زمني في البدء في استئناف البرنامج النووي و الإنتهاء منه خلال عشرة سنوات أو ربما خمسة عشرة سنة، و إنما هدف طهران دائما و بشكل مستمر ، و هي نقطة محورية ربما يغفل عنها الباحثين و الخبراء الاستراتيجيين في تحليل المواقف السياسية الإيرانية و الأمريكية ، هو الموافقة بشكل رسمي مكتوب و النص عليها في بنود في إتفاقية معلنة هو الإحتفاظ بحق طهران السيادي في تخصيب اليورانيوم كمبدأ لا يمكن التنازل عنه أو التفاوض عليه أو التراجع عنه .
و اللافت في الرد الإيراني أنه جاء متوازن و جاء إختيار السلام كهدف التفاوض و إنهاء حالة الحرب كخيار استراتيجي وحيد بينها و بين الولايات المتحدة مع تخفيف حدة التصعيد في التدخل العسكري في منطقة الشرق الأوسط ، و دون أي صدام عسكري محتمل أو حتي مواجهة عسكرية مباشرة الغير متكافئة ضد إيران و التي تعترف دائماً بعدم التكافئ العسكري الكمي و النوعي الذي يميل بنسبة كبيرة لجانب الولايات المتحدة.
و في المقابل تحاول طهران أن تتفاوض من موقع ” الصمود تحت ضغط” أي أنها تسعي لإظهار أنها مازالت تمتلك أوراق قوة مؤثرة ، سواء إستغلال موقعها الجيوسياسي و هو مضيق هرمز للسيطرة لأهم ممر مائي و شريان استراتيجي لعبور إمدادات و ناقلات البترول الي العالم (الصين و اليابان و كوريا الجنوبية و الهند و باكستان) التي تتحكم فيه بنسبة تصل 20 % من حجم الإنتاج الخليجي من البترول ، أو من خلال نفوذها الإقليمي المرتبط بأمن الطاقة و الملاحة الدولية.
و من هنا يمكن فهم الإصرار الإيراني علي الفصل بين الملف البرنامج النووي ، و بقية الملفات الأخري ، مثل البرنامج الصاروخي و حلفاء إيران و أذرعها في النطاق الأقليمي ، لأن طهران تعتبر أن توسيع نطاق التفاوض يعني تقليص مصادر قوتها تدريجيا”.
و طهران تعلم علم اليقين أن الولايات المتحدة رغم الحرب الكلامية والتصريحات و التهديدات التي تدور في أروقة البيت الأبيض ، غير أنها تعلم أن الإدارة الأمريكية لن ترغب في التوسع ، أو الإنزلاق الي حرب واسعة ، خصوصاً في ظل التعقيدات الدولية الحالية ، و لذلك تحاول إيران أستثمار هذه الرغبة الأمريكية في التهدئة و سياسية عدم التصعيد للحصول علي أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والاقتصادية إن وجدت ، دون تقديم أي تنازلات جوهرية تذكر.
و رغم الحديث المتكرر و المتداول عن فرص التوصل إلي إتفاق بين الطرفين ، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن الطريق لازال معقداً ، و نقاط الخلاف لازالت قائمة ، و لعل أهمها إنعدام الثقة المتبادلة بين الولايات المتحدة و إيران و كل طرف يتشكك في مدي قدرة الآخر في تنفيذ تعهداته و التزاماته محل الإتفاق ، و في ضمانات التنفيذ فيما سيتم الإتفاق عليه ، دون أي تجاوزات أو إختراقات خاصة و أن الجانب الأمريكي ما أن يستقر علي محددات أو شروط يتم التصريح بها الإ و يتم التراجع عنها ، بل يتم الإعلان عن قرارات معينة ثم سرعان و يتم نفيها أو إتخاذ قرارات أخري متناقضة.
طهران تريد إعترافا أمريكيا” رسمياً علي أحقية إيران في تخصيب اليورانيوم مع المطالبة بتخفيف العقوبات الاقتصادية عليها أو رفعها في مقابل فتح مضيق هرمز أمام حركة مرور السفن الناقلة للبترول بشكل سلمي دون فرض أي قيود في حركة الملاحة أو قيود مالية علي السفن العابرة أو علي الاقل فتح ممر آمن يسمح بالمرور دون أي عائق .
و في المجمل يمكن القول أن الرد الإيراني الأخير لا يعبر عن رفض كامل للمفاوضات ، و لا عن قبول كامل للشروط المطروحة ، بل يمثل محاولة لإدارة التوازن بين التهدئة و الحفاظ علي ضبط النفس و عدم إفشال المفاوضات تحت أي ظرف طبقا لنظرية التفاوض و هي ” أنا أكسب و أنت تكسب ” و هي معادلة صعبة للغاية ، طهران تبدو اليوم أقرب الي خيار “تجميد الأزمة ” و كسب مزيد من الوقت ، بدلا من الوصول إلي صدام مباشر بينها و بين الولايات المتحدة وصولاً الي تسوية شاملة و نهائية قد تفرض علي إيران تجعلها تدفع أثمانا” سياسية و استراتيجية قد لا ترغب في دفعها حالياً.
و ربما سفر الرئيس الأمريكي ترامب الي الصين غداً يؤدي إلي بحث سبل الوصول إلي حل المسائل العالقة و التي تعرقل عملية المفاوضات الهشة بين الجانبين و التي أصبحت قاب قوسين أو أدني من حافة الهاوية أو أن صح التعبير الوصول إلي طريق مسدود و الي فشل الإتفاق في حل نهائي.
هذا ما سنترقبه و ننتظره في الأيام القليلة القادمة.