جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة والتحرير وجدى وزيري
بقلم: د. راندة عبد الله عمارة
اليوم جنازة (ياسين).. وغداً جنازة مَن؟!
عنوانٌ يقطر حزناً وألماً، لكنه يختزل واقعاً فاجعاً بات يتكرر يومياً في كل شارع وفي كل حيّ بمصر.
اليوم نودع شاباً في مقتبل العمر، زهرة في المرحلة الإعدادية قطفت قبل الأوان. جاءت وفاته صدمة مروعة هزت كيان كل من أحبه وعرف طهر براءته. لم يكن رحيله بمرض أو قضاء طبيعي، بل كان نتيجة اشتباكات عنيفة دارت بينه وبين مجموعة من الشباب في مركز شباب الجزيرة بالأمس. رحل “ياسين” وترك خلفه غصة في الحلق، وحزناً دفيناً يخيم على نفسي، وهو ما دفعني اليوم وجعاً واعتصاراً لكتابة هذه الكلمات. إنها ليست مجرد مرثية، بل هي دعوة جادة ومخلصة، نداء أطلقه لعلنا نجتمع حوله لنقف كتفاً بكتف، لإنقاذ جيل كامل نشأ وتغذى على ثقافة وسلوكيات تعلي من شأن العنف وتتمحور حول شعارات واهية مثل “نمبر وان”.
لقد أصبح شبابنا يميلون إلى العنف المفرط في ردود أفعالهم تجاه بعضهم البعض، وبتنا نرى القسوة تحل محل التسامح، والاندفاع يسبق العقل. وإذا بحثنا عن جذور هذه الأزمة، سنجد أن السبب الرئيسي يعود إلى غياب التقويم الحقيقي لسلوكياتهم.. غيابٌ متعدد الأوجه والأركان:
أولاً: غياب دور المدرسة؛ فالطلاب باتوا لا يحضرون أصلاً، وإن حضروا، فإننا نلمس غياباً تاماً للمختصين التربويين المعنيين بتعديل السلوك وبث مكارم الأخلاق. فضلاً عن انشغال المعلم بأعباء وتفاصيل أخرى غابت معها النصيحة الأبوية والقدوة التوجيهية.
ثانياً: غياب دور البيت؛ فقد تخلت الكثير من الأسر عن دورها الأساسي في تقويم السلوك. وبدلاً من زرع قيم الحوار، أصبحت عبارة “خذ حقك بيدك” هي الجملة السائدة على لسان أولياء الأمور عند حدوث أي مشاجرة، مما يشحن الأبناء بروح الانتقام والعدائية.
ثالثاً: غياب الدور الحقيقي لدور العبادة؛ حيث جرى الاختصار والاكتفاء بتعليم شعائر الصلاة الفقهية فقط، دون التعمق في جوهر الدين الأخلاقي والمعاملاتي الذي يهذب النفوس وينهى عن البغي والعدوان.
رابعاً: غياب مراكز الشباب المؤهلة؛ تلك المراكز التي ينبغي أن تفتح أبوابها لاحتضان الطاقات وتوجيهها، باتت تتطلب اشتراكات مادية تفوق قدرة وجيوب الأسر البسيطة.
ونتيجة لكل هذا الغياب الشامل، انفرط العقد، ووجد الشاب ملاذه البديل على أرصفة المقاهي، وبين السيارات، وفي منعرجات الشوارع، باعتبارها الخيار الأرخص والأسهل، ولكنها للأسف البيئة الأخصب لتفريغ الشحنات السلبية واكتساب السلوكيات المنحرفة. من هنا، زادت حدة العنف، وانتشرت الجريمة، واستفحل الغضب بين شبابنا حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.
إنني من هذا المنبر، أتوجه بالنداء إلى كل مهتم، وكل مسؤول، وكل صاحب قرار في هذا الوطن: اجعلوا هدفكم القومي الأول هو (تعديل سلوكيات شبابنا) لإنقاذ مجتمعنا من مقصلة العنف السائد. إن حماية عقول وأرواح أبنائنا هي حماية للأمن القومي المصري في أسمى معانيه.
حفظ الله مصر، وحمى أولادها جميعاً من كل سوء.