أحزاب مولد سيدي أبو العريان
بقلم: وجدي وزيري
في زمنٍ ليس ببعيد، كان العمل الحزبي في مصر مدرسةً للفكر، ومنبرًا للوعي، وساحةً يتصارع فيها العقل بالحجة، لا بالصوت العالي ولا باللافتات الملونة. كان الحزب آنذاك مؤسسة تُنجب قيادات، وتُربي كوادر، وتُقدم حلولًا حقيقية لمشكلات الوطن. أما اليوم، فقد أصبح المشهد السياسي في بعض جوانبه أشبه بما يمكن أن نسميه دون مبالغة: “مولد سيدي أبو العريان”
بعد أحداث ثورة ٢٥ يناير وما صاحبها من خللٍ في تصدير مفهوم الديمقراطية الزائفة، ظهرت على الساحة عشرات الأحزاب التي وُلدت فجأة كما تنبت الفِطر بعد المطر. أحزاب بلا برامج حقيقية، ولا رؤى استراتيجية، ولا حتى معرفة دقيقة بمعنى العمل السياسي. كل ما تملكه لافتة، ومقر صغير، وصفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض الوجوه التي تتحدث بثقة العارفين بينما الحقيقة أنها لا تعرف من السياسة إلا اسمها.
المشهد أحيانًا يثير الدهشة، وأحيانًا أخرى يثير الضحك المرّ. فهناك من يتحدث عن الاقتصاد وهو لا يعرف الفرق بين الموازنة والعجز، ومن يُنظّر في الأمن القومي وكأنه يشرح مباراة كرة قدم. وبين هذا وذاك، يتحول العمل الحزبي عند البعض إلى وسيلة للشهرة أو منصة لحماية المصالح الخاصة، أو جسر عبور نحو مقاعد البرلمان.
والسؤال الذي يفرض نفسه بمنطق بسيط: إلى متى تقف الدولة وحدها تبني وتعمل؟
الدولة هنا ليست مجرد حكومة، بل منظومة كاملة: رئيس يقود، وجيش يحمي، وشرطة تحافظ على الأمن، ومؤسسات تكافح ليل نهار من أجل التنمية. لكن أين الدور الحقيقي للأحزاب؟ أين المشاركة الفكرية والتنموية؟ أين المبادرات التي تخفف العبء عن الدولة وتدعم مسيرتها؟
للإنصاف، لا يمكن إنكار أن هناك أحزابًا وطنية تضم رجالًا مخلصين يعملون في صمت ويقدمون أفكارًا جادة لخدمة الوطن. لكن في المقابل، هناك كيانات لو اختفت من المشهد السياسي لما شعر بها أحد، بل ربما استراح المشهد من الضجيج.
لقد آن الأوان أن تخرج الأحزاب من صندوق الشعارات إلى ميدان العمل الحقيقي. الوطن لا يحتاج خطبًا رنانة ولا استعراضات إعلامية، بل يحتاج عقولًا تفكر، وخططًا تُنفذ، وقيادات تضع مصلحة مصر فوق أي اعتبار.
كفى “منظرة” كاذبة، وكفى شخصيات كرتونية تتصدر المشهد بلا رصيد من العلم أو التجربة. فمصر ليست ساحة موالد، والسياسة ليست منصة استعراض.
باختصار شديد:
الوطن يحتاج أحزابًا تبني… لا أحزابًا تشبه موالد سيدي أبو العريان.