جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة والتحرير وجدى وزيري
تخيل أنك إستيقظت فجأة في منتصف الليل، ليس علي جرس المنبه الذي تم ضبطه في توقيت محدد ، و إنما علي إشعار في تطبيق علي تليفونك المحمول ، لتضع أصبع الأبهام ، علي بضع كلمات في تغريدة واحدة علي منصة تسمي ” تروث سوشيال” من رجل واحد يجلس علي مقعده في البيت الأبيض كانت كافية لإيقاف الحرب ، التي أحرقت الأخضر و اليابس ، الرئيس الأمريكي ترامب يكتب علي منصته :
” الحرب إنتهت ” و في تلك اللحظة بالذات ، كان ال الصهيوني ينظر في شاشته التليفزيونية في منزله في تل أبيب ، مندهشا، بل مذهولا”
لا يصدق ما يراه و يسمعه و معلقا”
” أنها “هزيمة سياسية ” بما تحتوي هذه العبارة من كلمة .
● دعونا نغوص في الكواليس الخلفية و ما وراء الأبواب الخلفية ،
و ما بين السطور التي تداولها منابر و منصات شبكات المحللين و المراقبين السياسيين ، عن ليلة دعونا نطلق عليها : ” ليلة الهدنة”.
دعونا نتأمل المشهد كيف أعلنت دولة إيران عن إنتصارها في الحرب رغم إغتيال مرشدها الأعلي علي خامنئي و يبدو أن كرسي السلطة العليا الذي يدير البلاد خاليا” ممن يشغله ، و بعد أن توقفت الصواريخ و القنابل و سكتت أصوات الطائرات الأمريكية القتالية و العملاقة عن تدمير البنية التحتية لجميع مراكز و أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية
و تدمير المطارات و الموانئ البحرية بما تحتويها من سفن حربية و قتالية .
نحن الآن نري العالم يقف علي أطراف أصابعه علي جمر من نار ، و يترقب ببالغ الأهتمام ، و الوقت يمر و لم يتبقى سوي ساعات قليلة علي إنتهاء المهلة المحددة للهدنة ،
و فجأة يأتي القرار الأمريكي، ليس من خلف غرف العمليات العسكرية المغلقة ، بل من العاصمة الأمريكية واشنطن ، ترامب يعلن “وقف إطلاق النار ” و علي الجانب الآخر نجد أن دولة الكيان ، لم تكن تعرف شيئا” عن وقف إطلاق النار و ماذا يحدث ؟ و كيف يحدث ؟ رغم إصرار دولة الكيان بالضغط علي الإدارة الأمريكية لإستمرار الحرب و الآلة العسكرية الأمريكية ضد إيران لإرغامها علي التركيع و إعلان الإستسلام، و نري ” الكابنت” لدولة الصهاينة الذي يقود أشرس حرب منذ قيام دولة الإحتلال، هذا الكيان يعلم إيقاف الحرب من طرف واحد
و هو من الحليف الأمريكي، لبدء مرحلة أخري و هي مرحلة تكسير العظام ، أو مرحلة بدء المفاوضات ،
● و قد لوحظ أن هناك حالة هستيرية قد أصابت دولة الكيان من الداخل ، و المعارضة الإسرائيلية فتحت النار علي رئيس حكومة الصهاينة ، و صرح إسحاق لابيد زعيم المعارضة أن هذه الهدنة هي بمثابة هزيمة نكراء و إستسلام لدولة الصهاينة.
و لكن لماذا هذا الغضب و الحالة الهيستيرية التي أصابتهم ، رغم أنهم و مع أول مواجهة حقيقية ، إنكشف هشاشة منظومة الدفاع الجوي المتطورة، و تحولت منصات مقلاع داود و الصواريخ المضادة للطائرات المسيرة و الصواريخ الباليستية، الي مجرد آلات عديمة الفائدة و غير قادرة علي الدفاع عن السماء و الأرض لدولة الإحتلال ، بل و تحولت السماء الي ساحة مفتوحة بعد أن سقطت رهينة في منصة الصواريخ الإيرانية ،
و الطائرات المسيرة،
و سقط معها شعار نظرية ” الأمن المطلق ” التي لطالما نجحت دولة الكيان في تسويقها عالميا”، كما لم يصمد جيش دولة الإحتلال أمام ضغط حقيقي و كان إعتماده الواضح علي الجسر الجوي الأمريكي ،
و هو كلمة السر في دعم و استمرار هذا الجيش ، في الحرب ضد إيران ،
و قد ساعد علي هذه الحالة الهيستيرية الذي أصاب الكيان هو ذلك التعتيم الإعلامي في داخل دولة الكيان في عدم الكشف عن الخسائر البشرية و المادية نتيجة ضرب مدن و العاصمة تل أبيب في العمق ، كما أن المستشفيات في مدن “زيف “و “ران بام ” تعج بمئات الجرحي و عشرات الموتي ، بينما رؤساء البلديات في شمال دولة الإحتلال، يصرخون من هول ما شاهدوه من مشاهد مآسوية من ضحايا و مصابين ،
و السكان يطالبون الحكومة برفع الرايات البيضاء.
أين هذا الإنتصار الزائف الذي تدعيه دولة الإحتلال، و نري أن في عقيدة ” البقاء هو الإنتصار ” ، إيران لم ترفع الراية البيضاء، بل صمدت و بقوة و بإستخدام النفس الطويل، حتي آخر اللحظات قبيل وقف إطلاق النار.
و النتيجة أن برنامجها النووي لا يزال قائما” و منصات الصواريخ الباليستية لاتزال تعمل ، و مضيق هرمز لا يزال ورقة تفاوضية تمثل ورقة ضغط حارقة ، و إنهيار النظام و سقوطه لم يحدث ، و تدمير الحضارة الفارسية و عودتها الي العصر الحجري لم يتحقق .
و إذا كان الرئيس الأمريكي ترامب أراد إسقاط النظام الإيراني و هو ما لم يتحقق ، فقد إستبدله بنظام أكثر تشددا” بقيادة عسكرية من الحرس الثوري مثل أحمد وحيدي و محسن رضائي ، الجميع يدعي الإنتصار ، سواء الولايات المتحدة الأمريكية ، أو دولة الكيان، و يعتقدان أن مجرد تدمير البنية التحتية ، و إغتيال القيادات السياسية و العسكرية الإيرانية هو بمثابة نصرا” عسكريا”.
بينما علي الجانب الآخر دولة إيران و حزب الله في لبنان يعتبرون الصمود في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية و دولة الكيان، بل و ضرب داخل العمق فيه هو نصرا”.
و الحرب لم تكن بالصواريخ فقط ، بل بالبترول و السياسية،
الولايات المتحدة أعلنت حصارا” خانقا” علي موانئ إيران الساحلية ليصيبها بشلل دائم ، و قال الجيش الأمريكي أنه أستطاع منع عدد 9 سفن إيرانية عن العبور ، و لكن المفاجأة جاءت من خلال صحيفة النيويورك تايمز التي كشفت الفضيحة و وهي أن نحو 20 سفينة تجارية مرت من مضيق هرمز وسط الأساطيل العسكرية الأمريكية قبل الحصار الخانق لمضيق هرمز بالقوة ب 48 ساعة فقط .
و المشهد أن إيران لاتزال تمسك بخيوط اللعبة السياسية في مضيق هرمز.
● الولايات المتحدة الأمريكية وجدت نفسها في عزلة دولية غير مسبوقة، أوروبا الحليف التقليدي للولايات المتحدة ، فرنسا و إنجلترا، إيطاليا ، ألمانيا ، بلجيكا و هولندا. الجميع يبتعد .
السيناتور الأمريكي لنسي جراهام ، صرح و كشف السر الأعظم الذي تدور حوله سبب هذه الحرب ضد إيران ، وهو تدمير القدرات العسكرية الإيرانية تمهيدا” للجائزة الكبري لمنع أي تهديدات أو مخاطر خارجية تمس الأمن القومي لدولة الكيان مستقبلا .
● الولايات المتحدة أرادت تكسير عظام إيران لفتح الطريق أمام سلام علي مقاس دولة الكيان .
و في خضم هذه الفوضي ، هبطت طائرة خاصة في طهران تحمل رجلا” لم يكن من المفترض أن يلعب دورا” في إدارة المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن و هو قائد الجيش الباكستاني و رئيس الأركان الرجل القوي و هو المشير عاصم منير و هو الشخصية العسكرية الأبرز في باكستان حاليا” ، و له دور محوري في السياسة و الأمن و يقود جهود دبلوماسية خلف الكواليس بين واشنطن و طهران و قام بزيارات مباشرة الي إيران حاملا” مقتراحات أمريكية .
و هنا يثور تساؤلات هل إيران سترضخ أمام ما أسماه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ب ” الصفقة الكبري ” و هو الضغط علي إيران للتخلص عن برنامجها النووي لمدة 20 سنة و هو ما رفضته إيران علي أن تكون المدة 10 سنوات فقط و ال 10 سنوات الآخري يتم فيها تخصيب اليورانيوم بنسب محددة و هي النسبة المئوية المنخفضة الآمنة ، و لا مجال لإستخدام هذا اليورانيوم المخصب في صناعة السلاح النووي ، و المقابل رفع العقوبات الأقتصادية المفروضة عليها و إندماجها في الأقتصاد العالمي .
و لا تزال المفاوضات جارية حول موضوع تخصيب اليورانيوم الذي تري إيران أن من حقها تخصيب اليورانيوم و الخلاف مازال قائما” حول التخصيب بشأن التفاصيل الفنية من حيث نسبة التخصيب و الكمية و المدة .
و أيضآ السؤال المطروح ، هل سيقبل الجينرالات الإيرانية – الذين صعدوا لقمة السلطة في إيران – للضغوط العسكرية الأمريكية للرضوخ لشروط الإدارة الأمريكية لإنجاح المفاوضات .
و المشهد الحالي و الآن هو فشل المفاوضات البينية الأمريكية الإيرانية الجارية في باكستان فقد وردت أنباء للتو في خبر عاجل ، أن إيران أبلغت الولايات المتحدة الأمريكية رسميا عدم إستئناف المفاوضات حيث لم يحضر الوفد الإيراني الي باكستان في تطور مفاجئ للأحداث معلنا رفضه الحضور الإ بعد سحب ترامب لقواته من مضيق هرمز ، و فك حصار الموانئ الإيرانية، كما أعلنت أيران أنها لن تتفاوض تحت التهديد ،
و يبدو أننا أمام أحداث في غاية التعقيد و في تتطور الي الأسوء ، فقد وصلت المفاوضات الي طريق مسدود .
فنحن أمام مفترق طرق :
الولايات المتحدة وضعت نفسها في مستنقع لم تستطع الفكاك منه ، و الرئيس الأمريكي يهدد بعدم تمديد مهلة الهدنة التي أوشكت علي الإنتهاء و هو غدا” صباح الأربعاء بتوقيت مصر ،
و إيران مصرة علي موقفها التفاوضي بفرض شروطها و هي سحب ترامب لقواته من المضيق و فك الحصار ، و الحوتي يهدد بغلق مضيق باب المندب في حالة إندلاع الحرب مرة أخري.
و نعود الي سياق موضوعنا الساخن ، هل بنظرة تأملية هل نحن أمام إنزلاق المنطقة الي منعطف خطير في المستقبل القريب أو بعيد المدي ؟
● الأجابة علي هذا السؤال يجعل المنطقة علي صفيح ساخن ، خاصة مع إستمرار التهديد الصهيوني الدائم بإختلاق أعداء جدد .
و إذا كنا نعتقد أن توقف المدافع و الصواريخ في إيران ولبنان يعني تحقيق السلام ، فنحن لا نعرف ” عقلية الصهاينة ” فدولة الكيان تعيش “عقدة القلق الوجودي” ، و لكي تريد أن تشعر بالآمان علي حدودها الإقليمية، يجب أن تكون القوة الوحيدة المهيمنة علي منطقة الشرق الأوسط بلا منازع ، و يجب أن تكون منطقة الشرق الأوسط كلها ضعيفة ، ممزقة ، و منقسمة علي نفسها ،
و مشتتة .
● و بمجرد أن خف غبار الدخان عن سماء منطقة الشرق الأوسط بعد وقف إطلاق النار مع إيران، بدأت العقلية السياسية للصهاينة في رسم بنك أهداف جديدة .
● مقالة خطيرة نشرت بالأمس في صحيفة معاريف العبرية للكاتب الصهيوني بوعاد الجولاني يطرح سؤالا” مرعبا” من هو
” العدو القادم ” لدولة الكيان.
تاريخيا” دولة الكيان تحتاج دائما” الي :
“عدو وجودي” فجاءت الأحداث لتخدم هذا الهدف ، مصر منذ عام 1948 و حتي إتفاقية السلام في كامب ديفيد ، ثم جاءت العراق صدام حسين و حرب الخليج حتي عام 1991 ، ثم إيران طوال العقدين الماضيين ، و الآن و بعد إضعاف دولة إيران من هو العدو التالي ؟
التقرير الوارد في صحيفة معاريف العبرية يشير بوضوح و صراحة الي دولتين إسلاميتين عظيمتين هما تركيا و باكستان.
●● لماذا تركيا؟
تركيا ليست مجرد دولة يستهان بها و إنما هي دولة قوة ديموجرافية ضخمة تمتلك قوة عسكرية تعد من أقوي جيوش حلف الناتو علي الإطلاق و لديها صناعات عسكرية متطورة ،
و الأهم من ذلك قراراتها السياسية مستقلة و لا تخرج من تحت عباءة البيت الأبيض الأمريكي و لديها علاقات سياسية قوية مع طهران و الولايات المتحدة في آن واحد .
● و دولة الصهاينة تنظر برعب من الدولة العثمانية الكبري الجديدة، و عودة تركيا الي مجالها الحيوي في منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا و إعتبار مواقف القيادة التركية لدولة الإحتلال تهديدا” مباشرا” لمشروع صهيون الكبري ”
وزير تركيا هاكان فيدان أدرك هذه اللعبة مبكرا”
و صرح بأن دولة الكيان تحاول شيطنة تركيا تمهيدا لجعل تركيا “العدو القادم”.
●● و لماذا باكستان ؟
باكستان هي الكابوس النووي الإسلامي ، دولة تعدادها السكاني هائل ، جيشها عقائدي ، و قوي ، و تمتلك علاقات إستراتيجية جيوسياسية عميقة مع الصين في إطار مبادرة الحزام و الطريق ، و الترسانة النووية الباكستانية هي شوكة في حلق التفوق الإستراتيجي الصهيوني، و مازاد الطين بلة و دفع الصهاينة الي حالة هيستيرية هي التقارير التي تتحدث عن تشكيل تحالف رباعي أمني يضم مصر و المملكة العربية السعودية و تركيا و باكستان رغم عدم الإعلان عن هذا التحالف رسميا” حتي الآن. الإ أن المؤشرات توحي بتشكيل تكتل يشكل حلفا” اقليميا” جديدا” قد يغير قواعد اللعبة. و إعادة ترتيب لقطع الشطرنج ،
كما يأتي هذا التقارب الرباعي ، بعد إنحسار الدعم الأمريكي ،
و إستقلاليته تتدريجيا” مع تقليل الإعتماد علي القوي الكبري ، في مشهد إقليمي يزداد تعقيدا” بدأت ملامح إعادة توازن القوي الإقليمية تفوح في الأفق ، و تتشكل بهدوء. لكنها تحدث صدي مرعبا” داخل أروقة و دوائر القرار في تل أبيب.
فنحن أمام إدارة أم ر ي ك ية تتخبط. و ر ئ ي س أ م ر ي ك ي يبتز حلفاؤه و يهادن أعدائه من أجل صفقات أقتصادية و كيان ص هي و ن ي معزول عالميا” ينزف من الداخل لكنه يستعد لفتح جبهات أوسع و أخطر من أجل تحقيق مشروع إستعماري توسعي تحت مسمي ” ….. الكبري “.
و تشير صحيفة ” هاآرتس العبرية” هذا التكتل العربي الاسلامي ستكون دولة الكيان أول أهدافه .
و نجد أن دولة الكيان لا تضيع الوقت هي الآن تمهد الرأي العام العالمي لتقبل فكرة أن الخطر القادم علي العالم الحر لن يأتي من طهران فقط بل من أنقرة و إسلام أباد .
● إن المخططات التي تكتب في غرف الكابنت لن تستثني أحد ، اليوم إيران ، و لبنان ،
و بالأمس القريب ،كانت غزة ، و غدا” تركيا و باكستان و لا يستطيع أحد أن يتوقع من هي الدول الاخري التي عليها الدور .
●● أنها معركة وجود لا معركة معركة حدود .
فهل ستنجح الصفقة الكبري الأمريكية في ترويض إيران، و هل ستتجرأ إسرائيل فعلا علي فتح جبهة جديدة مع قوي عظمي مثل تركيا و باكستان.
و هل نحن أمام محور عسكري رباعي عربي إسلامي جديد ، أم مجرد تنسيق أمني عسكري مرحلي ، سيتلاشي تحت الضغوط الدولية و الإقليمية و الإقتصادية.
●● التاريخ يكتب الآن و أمام أعيننا فهل نحن مستعدون .؟
●● كلمة أخيرة :
دور مصر الذي يحاول البعض تجاهله ، القاهرة لم و لن تكن أبدا” مراقبا” أو متابعا” للأحداث ، بل دور مصر قيادية تلعب دورا” إقليميا” و محوريا” و فاعلا” و لاعبا” مؤثرا “و شريكا” رئيسيا” في المنطقة و مصر بتتحرك من منطلق ثقلها السياسي ، و موقعها الجيوسياسي الإستراتيجي و الأمني ، لضبط إيقاع المشهد في ظل تحديات المنطقة و ذلك بتوجيهات رئاسية حكيمة ، و بفكر و عقل عميق مرهون بحسابات أقرب الي ميزان دقيق ، التي تهدف الي سياسة تقوم علي تقديرات و توازنات لاتخاذ قرارات قائمة علي منطق القوة الرشيدة و العقل و الحكمة و المصلحة العليا للوطن .١