مقالات الكُتاب

طارق فوزي. يكتب. وجهة نظر المشهد 3

جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة والتحرير وجدى وزيري 

في مشهد سياسي
و عسكري بالغ التعقيد ، لا تبدو الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران مجرد مواجهة تقليدية تحسم بالقوة العسكرية، بل تحولت الي ساحة صراع من نوع آخر هو ( صراع الزمن ) ، ف( لعبة الوقت ) أصبحت أهم الأسلحة غير المعلنة ، حيث يدير كل طرف ساعته الخاصة ، ليست بهدف إنهاء الحرب سريعا” ، بل التسابق في من سيحقق أكبر قدر من المكاسب علي طاولة المفاوضات قبل خطة الحسم .

● لعبة الوقت سلاح تفاوضي هام ، فمنذ إندلاع العمليات العسكرية الأمريكية
في 28 فبراير الماضي، لم تتوقف لغة القوة العسكرية كقوة إستراتيجية يستخدمها كل طرف في المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة و إيران ، و من يملك القوة ، قوة السلاح و يحقق أكبر الخسائر الممكنة للطرف الآخر ، يملك كل خيوط اللعبة كاملة ، و هو شئ هام ،
و لكن الأهم هو كيفية إدارة هذه الخيوط و اللعب بها بذكاء أثناء المفاوضات بحيث يستطيع فرض القوة بهدف إجبار الطرف الآخر علي قبول الشروط التفاوضية و لا يجد الطرف الآخر نفسه الإ أمامه خيار وحيد فقط هو جملة تنازلات ، محققا ترجيح الميزان لصالحه .
و من أحد مظاهر
( لعبة الوقت ) هو فرض مهلة زمنية متكررة ، خمسة أيام ، ثم مهلة 10 أيام ، تنتهي يوم 6 أبريل القادم ، ثم ربما تمديد جديد ، هذه المهل ليست بالضرورة نية الوصول الي إتفاق ، فإيران لديها سلاح تكتيكي للتلاعب بالولايات المتحدة الأمريكية و هي لعبة الوقت لإستخدامه لتمديد وقت الحرب و العمليات العسكرية لأطول فترة ممكنة و ذلك لإستنزاف الولايات المتحدة من حيث النفقات المالية للحرب المرتفعة من أسلحة و دعم لوجستي عسكري و التي فاقت كل التوقعات و هي تشير التقارير الواردة بأن كل يوم يمر في الحرب تستنزف الولايات المتحدة مبلغ مليار دولار ، نتيجة الحشود العسكرية و ترسانة الأسلحة المتطورة التي تستخدمها الولايات المتحدة و حاملات الطائرات العملاقة المحملة بالطائرات القتالية الشبحية من الجيل الخامس درة التاج الأمريكي كحاملة الطائرات USS Abraham Lincoln و USS Gerald FORD.
و يشير المراقبون الي أن هذه المهل الزمنية قد تكون خدعة تكتيكية لشراء الوقت لإلتقاط الأنفاس و لأستكمال الأعداد المطلوبة من جنود المارينز و جنود الصفوة و البالغ عددهم العشرة آلاف جندي أستعدادا” لمعركة كبري .

● و الولايات المتحدة الأمريكية قدمت خطة مكونة من 15 بندا” أهمها :
# تفكيك البرنامج النووي .
# تقليص و تحييد النفوذ الإقليمي .
# فتح مضيق هرمز.

● لكن هذه الشروط تعكس في جوهرها إملاءات المنتصر عسكريا” قبل إنتهاء الحرب ، و هو ما تفرضه الولايات المتحدة ، علي طاولة المفاوضات.
و هنا يظهر بوضوح مفهوم التفاوض ( تحت النار ) حيث تستخدم العمليات العسكرية كوسيلة لتعديل موازين القوي و ترجيحها و الضغط العسكري علي الطرف الآخر.
● و علي الجانب الآخر ، تلعب إيران لعبة الوقت بطريقة مختلفة تماما ، فتقوم علي :
1 _ إطالة أمد الحرب و العمليات العسكرية.
2_ إستنزاف الولايات المتحدة عسكريا ”
و زيادة نفقات و تكلفة الحرب .
3_ غير أن الولايات المتحدة لا تملك النفس الطويل عند إطالة أمد الحرب ، و قد صرح الرئيس الأمريكي ترامب في العديد من المرات أن الحرب لن تستغرق سوي عدة أيام فقط و هو ما لم يتحقق .
4_ رفع سقف المطالب التفاوضية تدريجيا” مثل الإعتراف بمسئولية الولايات المتحدة عن الأضرار المادية نتيجة الاعتداءات علي البنية التحتية لأوجه النشاط الإقتصادي و المرافق الحيوية و الاستراتيجية و مصادر الطاقة في إيران.
5_ ضمان عدم تكرار أي إعتداءات أو عمليات عسكرية ضد إيران مستقبلا” .
● و طهران تدرك تماما” أن عامل الوقت قد يعمل لصالحها ، خاصة مع :
# ضغط الأسواق العالمية و تزايد اسعار الطاقة من البترول و الغاز عالميا” يوما” بعد يوم ، مما سيؤثر علي إقتصاد العالم بالسلب .
# القلق الدولي من إتساع رقعة الحرب إقليميا”.
● لذلك نجد في الحروب التقليدية، السؤال هو : من سينتصر ؟
أما في هذه الحرب ، فالسؤال الأهم هو من يملك الوقت ؟
● و الشاهد أن إيران نجحت في القدرة علي الصبر و التحمل ، للضغوط التي تعرضت لها ، و لديها من القدرات التي تجعلها تتحمل سنوات عدة ، فقد سبق لها أن تحملت ويلات الحرب العراقية الإيرانية والتي بدأت في عام 1980 و أستمرت 8 سنوات حتي 1988.
كما تحملت إيران الحصار الإقتصادي الذي فرضه العالم ( عقوبات دولية واسعة مالية و نفطية و مصرفية ) من عام 2006 و حتي 2015 9 أعوام ، كما عادت العقوبات الأقتصادية أكثر شدة علي إيران من عام 2018 و حتي الآن ، و التي وصفت بالضغط الأقصي ، و كان ذلك بعد إنسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الإتفاق النووي في عهد الرئيس ترامب ، و رغم هذه العقوبات القاسية فإنها لازالت بتتحمل .
و عنصر الوقت مهما طال فلن يضعفها سياسيا” علي الأقل .
و هي تراهن علي ذلك ، ربما لديها من الوقت ما يكفي لإستخدام أسلحة أكثر تطورا” لم تستخدم من قبل في العمليات العسكرية، و هو ما تخشاه الولايات المتحدة مع مضي الوقت .
و علي النقيض نجد أن الولايات المتحدة تريد حسما” سريعا” يحقق مكاسب سياسة و إقتصادية و أهمها بالطبع السيطرة علي منابع البترول و الغاز و ذلك من خلال مضيق هرمز الذي يمر منه 90% من بترول إيران و 20% من بترول دول الخليج متجها”
الي دول الصين و باكستان
و الهند و اليابان .

● أذن لم تعد المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل من جهة ، و إيران من جهة أخري مجرد مسار دبلوماسي موازي ، للعمليات العسكرية، بل أصبحت جبهة قائمة بذاتها ، تدار فيها الحرب بعامل واحد حاسم هو ( الوقت) ، فكل طرف لا يتفاوض من أجل إنهاء الحرب ، بل من أجل إعادة توازن القوي بما يخدم أهدافه الاستراتيجية.
ففي الحروب التقليدية، يستخدم الوقت كعامل ضاغط للوصول للحسم ، أما في هذه الحرب ، فالوضع مختلف :
[ 1 ] لا يوجد حسم سريع .
[ 2 ] تكلفة المواجهة المباشرة مجهولة العواقب و باهظة التكاليف و خسائر بشرية مرتفعة .
[ 3 ] خطر التوسع الأقليمي حاضر دائما” .
[ 4 ] ربما يستدعي الوضع تدخل أطراف أخري في الحرب أمر وارد .
● غير أن اللعب علي عنصر الوقت سلاح ذو حدين و قد يؤدي الي نتائج عكسية ، فالولايات المتحدة لديها إنتكاسات كثيرة من تجارب عسكرية و حروب سابقة فقد خاضت حرب طويلة في فيتنام بدأت في عام 1955 و أستمرت 20 عاما” حتي عام 1975.
و حرب أفغانستان في عام 2001 و أستمرت 20 عاما” حتي 2021 .
لذلك تعمل الولايات المتحدة علي منطق الوقت المحدد ، بينما إيران تعمل بمنطق النفس الطويل ، لذلك فالولايات المتحدة لا تريد حربا” طويلة بلا نتائج ، لكنها أيضا” لا تريد إتفاقا” يبدو كتنازل.
و كلما ذاد الوقت الذي تستغرقه التفاوض بين الولايات المتحدة و إيران فيعني ذلك أن الحرب لم تحسم بعد .
و إستخدام لعبة الوقت ليست أدوات دبلوماسية فقط ، بل تحمل ثلاثة رسائل:
الأولي: رسالة ضغط لأن الوقت ينفد .
الثانية: رسالة تضليل لإرباك حسابات الخصم.
الثالثة : رسالة تكتيكية لكسب وقت ميداني .

●● و في النهاية :
الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ليست مواجهة عسكرية، بل معركة علي الزمن نفسه .
فكل طرف يريد :
● إطالة الوقت عندما يخدمه .
● و تسريعه عندما يهدده.
● و لن يكون المنتصر فقط من يملك القوة عسكريا”، بل من يحسن إدارة الوقت و يوظفه لصالحه .
وفي الختام ، لا تبدو هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية تقليدية ، بل هي صراع إرادات مفتوح علي كل الإحتمالات ، حيث تختلط الحسابات العسكرية بالرهانات السياسية ، و تتداخل خطوط الزمن ، مع خرائط النفوذ .
و بينما تحاول الولايات المتحدة و إسرائيل فرض واقع جديد ، تسعي إيران لإعادة رسم قواعد الإشتباك .
و السؤال الهام الذي سيظل معلقا” :
من يملك النفس الأطول في لعبة الوقت ، و من سيدفع الثمن الأكبر في معركة قد تعيد تشكيل توازنات منطقة الشرق الأوسط لعقود قادمة ؟
و هكذا ، تقف المنطقة علي حافة منعطف تاريخي خطير ، حيث لا مكان للحياد و لا وقت للراهنات الخاطئة ، فإما أن تفرض القوة كلمتها ، أو تفرض الإرادة صمودها .
و بين هذا و ذاك ، يبقي الشرق الأوسط مساحة مفتوحة لصراع لا يعترف الإ بلغة المصالح ..
و لا يرحم الضعفاء .
و ربما لا تحسم الحروب فقط في ميادين القتال ، بل تحسم أولا” في عقول من يديرها ، و في صبر الشعوب التي تتحمل نتائجها. و ما بين القوة و الصبر ، تتحدد ملامح الصبر الحقيقي .
فهل تكون هذه الحرب نهاية مرحلة ..
أم بداية لفوضي أكبر لم تتشكل ملامحها بعد ؟

بكره أحلى

رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير : وجدى وزيرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى