جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة والتحرير وجدى وزيري
هل نجحت إيران في فرض شروطها التفاوضية مع أقوى دولة في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية؟ وهل يمكن أن تتحول مفاوضات مسقط إلى شرارة مواجهة عسكرية في الخليج وما يستتبعه ذلك من غلق مضيق هرمز الذي يكمن أهميته الاستراتيجية كشريان حيوي يتحكم في أسواق الطاقة العالمية في العالم، ويتدفق منه حوالي 20 إلى 21 مليون برميل يوميًا، ما يمثل نحو 20%، خمس إجمالي استهلاك النفط المتجه إلى دول مناطق شرق آسيا، وفي مقدمتها الصين واليابان، حيث يمر عبره نحو 80% من حجم صادرات النفط المتجه إليهم.
وهل وقفت دولة الكيان على أعتاب توجيه ضربة استباقية لإيران قد تشعل المنطقة بالكامل، مما يجعل العالم في حبس أنفاسه قبل الحرب التي قد تكون وشيكة في أي وقت؟ وهل تتجنب واشنطن حربًا كبيرة في منطقة الشرق الأوسط بتوجيه ضربة عسكرية محدودة ولكن مؤثرة للقضاء على قدرات إيران النووية إلى حد كبير، أم أنها تستعد لها سرًا؟
لا شك أن السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي ترامب لا تخضع للمبادئ الدولية المتعارف عليها، فالرئيس ترامب لا يعترف بالقانون الدولي ولا بالمبادئ الواردة في ميثاق الأمم المتحدة كمنظمة دولية، التي لا تعترف إلا بالشرعية الدولية، بينما الرئيس ترامب لا يعترف فقط إلا بمبدأ القوة العسكرية.
ويرى الرئيس ترامب أن هذه المنظمات الدولية تشكل، من وجهة نظره، عبئًا كبيرًا عليه، وأن الولايات المتحدة الأمريكية هي شركة عالمية كبرى هو رئيس مجلس إدارتها والرئيس التنفيذي لها، والذي من حقه فقط أن يتحكم في العالم أجمع وليس الولايات المتحدة الأمريكية فقط. لذا فهو يقوم بتجاهل المؤسسات والمنظمات والهيئات الدولية الكبرى وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة، وهذه الأخيرة التي يراها أنها أصبحت هشة وضعيفة وليس لها أي دور أو تأثير في مصائر ومقدرات دول العالم سياسيًا وإقليميًا، ولا حتى إنسانيًا، لا في وقت الحرب ولا في وقت السلم.
ويرى الرئيس الأمريكي ترامب، أو هكذا يرى، أنه من الضروري تحول السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية إلى صفقات تجارية تصب جميعها في مصلحة “أمريكا أولًا”. لذلك تتجه سياسة ترامب الخارجية في مفاوضات واشنطن مع إيران هو الضغط العسكري عليها بأن “يخنق” حدودها الإقليمية بترسانة عسكرية كبرى من حاملات الطائرات العملاقة المحملة بالطائرات القتالية F-35 وF-16 وF-15 التي يطلق عليها الطائرات الشبحية، بالإضافة إلى الحرب السيبرانية المتطورة والصواريخ الباليستية من طراز توماهوك كروز التي تتميز بالدقة المتناهية.
وكل هذه الضغوط العسكرية لكي ترغم إيران على قبول الشروط التفاوضية الأمريكية وأهمها برنامج إيران النووي. ويبدو أن سياسة ترامب وممارسته لهذه الضغوط قد نجحت في تسيير نتائج المفاوضات نجاحًا مبهرًا على ما يريد تحقيقه. وأعتقد أن إيران قد فهمت أخيرًا اللعبة وقررت التعامل مع ترامب رجل “الصفقات الكبرى” وهي النسخة الحقيقية منه والأقرب إلى قلبه، لا ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، فقد ألقت إيران الطعم عن طريق حميد قنيري، نائب الخارجية الإيرانية للشؤون الاقتصادية، في تصريحات صحفية مساء أمس، وقال: إن طهران تسعى للتوصل إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة الأمريكية يحقق فوائد اقتصادية للطرفين.
وللنظرة الأولى للجملة الأخيرة من هذه التصريحات وهي: “تحقيق فوائد اقتصادية للطرفين”، تلك العبارة تكفي لكي تسيل لعاب واشنطن وعلى ترامب أن ينتهز هذه الفرصة ليضغط بكل قوة لتحقيق مصالحه التي ينتظرها طوال وقت المفاوضات، لكي ترضخ إيران، ولذلك ستشمل المفاوضات هذه المرة، والتي تجري بين الدولتين بصورة مباشرة لأول مرة منذ بدء المفاوضات بينهما، قد تشمل على عرض لواشنطن للاستثمار في حقول النفط والغاز والحقول المشتركة والاستثمارات التعدينية، لتنتقل هذه المفاوضات نقلة استراتيجية محورية تاريخية غير مسبوقة مع إصرار ترامب على تهميش دور أوروبا كشاهد سلبي على مجريات الأحداث.
وهذه الصفقة، في حال نجاحها إذا تمت، ستكون قد ضرب ترامب أكثر من عصفور في وقت واحد، فهي تعد فرصة أفضل للشركات الأمريكية في مجال بترول إيران أن تعوض خسائرها من وراء ما ستحصل عليه من بترول فنزويلا التي وجدت تلك الشركات صعوبات فنية ولوجستية وغيرها في الحصول عليه، كما أنها فرصة لواشنطن للتحكم في كمية النفط المصدرة للصين، وهو ما تهدف إليه واشنطن، حيث أن بترول إيران يتحكم بنسبة 40% من واردات الصين من البترول، وبالتالي يكون ترامب قد نجح نجاحًا كبيرًا فيما فشل فيه الرئيس الأمريكي السابق أوباما في عام 2015، الذي دائمًا ما يصفه بالرئيس الفاشل الذي شارك مع القوى العالمية استنادًا إلى عدم ضمان المصالح الاقتصادية للولايات المتحدة.
ولتحقيق هذه الطموحات الترامبية، تجري حاليًا مفاوضات جادة وصفت بأنها ستصل لحلول شاملة مع الولايات المتحدة في شأن الاتفاق النووي بالطرق الدبلوماسية تحت رعاية وإشراف وزير الخارجية لسلطنة عمان بدر البوسعيدي، الذي سيجري مشاوراته مع وفد رفيع المستوى في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي وصفت بأنها ستحمل أفكارًا حقيقية للتوصل إلى اتفاق عادل ومنصف وليس من بينها أو على رأسها: “الاستسلام تحت التهديد”، وهذا العنوان الأخير ليس مطروحًا على طاولة المفاوضات.
والسؤال الهام الذي يفرض نفسه: هل ستستمر المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران للسعي لتحقيق وضع هذه الطموحات موضع التنفيذ؟ وكيف سيكون رد فعل دول أوروبا تجاه هذه الطموحات الأمريكية التي سينجح فيها ترامب من نزع فتيل الحرب الشاملة في منطقة الشرق الأوسط؟ أم في حالة فشلها، وهو ما نخشاه من حدوث، ستؤدي إلى نتائج خطيرة سياسيًا واقتصاديًا وإقليميًا مجهولة العواقب؟