منذ أن وُجد الإنسان على هذه الأرض، وُجدت فكرة المسؤولية. ومنذ أن تشكّلت الدول، تشكّلت الحكومات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح في ضمير الوطن: من نحاسِب حين يختلّ الميزان؟ الحكومة أم المواطن؟
الحقيقة التي لا ينبغي الهروب منها أن الحكومات لا تنشأ من فراغ، بل تُولد من رحم المجتمع، وتتشكل من أبنائه. الموظف في أي موقع، وزيرًا كان أو عاملًا بسيطًا، هو في الأساس مواطن. فإذا صلح المواطن، صلحت مؤسسات الدولة، وإذا فسد، تسلّل الفساد إلى مفاصلها.
لننظر إلى قطاع التعليم، وهو المرآة الأصدق لحال الأمم. نجد معلمًا يتقي الله، يؤدي رسالته بإخلاص، ويعتبر تلاميذه أبناءه، وفي المقابل نجد آخر يرتشي، أو يفرض الدروس الخصوصية قسرًا، أو يتعمد إهمال الشرح داخل الفصل من أجل مراكز الدروس. بل ونجد وهو أمر يدمي القلب من خان الأمانة وتحرش بطفل، في جريمة لا دين يقرّها ولا وطن يقبلها. فهل هذا نتاج “حكومة” فقط؟ أم هو انحراف إنساني قبل أن يكون خللًا إداريًا؟
وفي ساحة القضاء، نجد قاضيًا يبيع ضميره بثمن بخس، وفي المقابل نجد قضاة ومستشارين يضربون أروع الأمثلة في النزاهة، لا يخشون إلا الله، ولا يحكمون إلا بالعدل. وفي المحليات، نرى موظفًا يفتح باب الرشوة، وآخر يغلقه بإحكام ويؤدي عمله بشرف. و كذلك في الشرطة، نجد من “يقلب عيشه” ويظلم الناس، وفي المقابل نجد من يحمي المواطن بصدق، ويعتبر القانون أمانة في عنقه.
إذن، لماذا نُحمّل الحكومة وحدها كل الذنب؟ ولماذا لا نملك الشجاعة لنقول: العيب فينا قبل أن يكون في غيرنا؟
الأمم لا تُهزم من خارجها إلا بعد أن تُهزم من داخلها ويقول الشاعر: وإذا أُصيبَ القومُ في أخلاقِهم
فأقم عليهم مأتمًا وعويلا.
إن أسهل طريق هو إلقاء اللوم، وأصعب طريق هو محاسبة النفس. نحن نلعن الفساد، لكن هل رفضناه حين عُرض علينا؟ نستنكر الرشوة، لكن هل قاومناها حين سُهّلت لنا؟ نشكو من تردي الخدمات، لكن هل أدّى كلٌّ منا عمله بإتقان في موقعه؟
الحلول… من أين نبدأ؟
إصلاح الضمير قبل إصلاح القوانين: فالقانون بلا ضمير حارس أعمى، والضمير الحيّ هو خط الدفاع الأول عن الوطن.
التربية والتعليم: غرس قيم الأمانة، واحترام القانون، وحب الوطن منذ الصغر، لا بالشعارات بل بالقدوة.
المحاسبة العادلة: لا كبير على الحساب، ولا صغير فوق القانون، مع حماية الشرفاء وتشجيعهم.
ثقافة الرفض: أن يرفض المواطن الرشوة، وأن يبلّغ عن الفساد، وألا يبرره بحجة “ما كل الناس بتعمل كده”.
القدوة في المواقع القيادية: فحين يرى المواطن مسؤولًا نزيهًا، يتعلم منه أكثر مما يتعلم من ألف خطاب.
في النهاية، الوطن ليس حكومة فقط، ولا المواطن ضحية دائمة. الوطن نحن، والحكومة انعكاس لنا. فإذا أردنا إصلاح الدولة، فلنبدأ بإصلاح أنفسنا. لا ترمِ العيب على غيرك، وابدأ بنفسك… فبصلاح الفرد، ينهض الوطن .. وجدى وزيرى