بقلم : وجدى وزيرى
في السادس من أكتوبر عام 1973، توقفت عقارب الزمن عند لحظة فارقة في تاريخ الأمة العربية كلها.
هنا القاهرة… صوت مدوٍّ عبر الأثير، محمول على أمواج الراديو في كل بيت وقرية ومدينة: “أيها المواطنون… عبرت قواتنا المسلحة قناة السويس، وحطمت خط بارليف، ورفعت علم مصر على الضفة الشرقية”.
كانت الكلمات قليلة، لكنها ألهبت القلوب، وأشعلت الحناجر بالتكبير، وامتلأت الشوارع بالدموع والزغاريد.
صوت البيانات… ورجفة القلوب
لم يكن المصريون في تلك الأيام أمام شاشات فضائية أو هواتف ذكية، بل كانوا أمام الراديو المهيب في المقاهي والبيوت، ينتظرون كل بيان عسكري بلهفة.
حين أذيع البيان الأول، ارتجفت مصر كلها كما لو أن القلب الواحد خفق في ملايين الصدور. لم يكن هناك بيت إلا وفيه شهيد محتمل، أو جندي على الجبهة، أو أم ترفع يديها بالدعاء.
كانت البيانات تُتلى كأنها آيات، تحمل البشارة بالنصر، وتذيع للعالم أن مصر عادت لتكتب بدمائها تاريخها.
مواقف الشعب… البطولة خلف الجبهة
إذا كان الجندي يقاتل على الضفة، فإن المواطن كان يقاتل بالصبر والصمود والإيمان على الضفة الأخرى.
الأمهات كن يزغردن بعد سماع كل خبر عن عبور جديد، والأطفال يرفعون أعلام مصر على أسطح المنازل، والفلاحون يخرجون إلى حقولهم يرددون: “الله أكبر” مع كل انتصار.
نساء مصر قدّمن الذهب والمجوهرات دعمًا للمجهود الحربي، والعمال في المصانع لم يعرفوا للراحة طريقًا، كل دقيقة عمل كانت رصاصة في صدر العدو.
قصص من البطولات… دم يكتب التاريخ
الجندي المصري الذي احتضن الديناميت بيديه وقفز به إلى حصن بارليف، ليكون جسده جسر العبور.
الضابط الذي رفض العودة من ميدان القتال رغم إصابته البالغة، وأصر أن يكمل الهجوم حتى الرمق الأخير.
الجنود الذين تسلّقوا الساتر الترابي تحت وابل النيران، وأبوا أن ينكسوا علمًا أو يتراجعوا خطوة.
كل قصة كانت ملحمة، وكل جندي كان أمة في ذاته. لم يكن العبور مجرد خطة عسكرية، بل كان عودة للكرامة، واستعادة للأرض والعرض.
هنا القاهرة… هنا النصر
حين صدح البيان الشهير “لقد نجحت قواتنا المسلحة في عبور قناة السويس على طول الجبهة”، لم يكن المصريون وحدهم من يصفق ويكبر، بل كانت الأمة العربية كلها تهتف معهم.
القاهرة ارتدت حلة النصر، شوارعها امتلأت بمواكب الفرح، والعيون لم تجف من دموع الفخر. كان ذلك اليوم ميلادًا جديدًا لمصر، بل للعرب جميعًا.
كلمة أخيرة
إن ذكرى نصر أكتوبر المجيد ستظل خالدة في وجدان الأمة، تذكّرنا بأن مصر قادرة دائمًا على الانتصار متى توحد شعبها خلف جيشها وقيادتها. واليوم، ونحن نعيش مرحلة بناء الجمهورية الجديدة، يقود الرئيس عبد الفتاح السيسي مسيرة العبور الثاني نحو التنمية والكرامة والاستقرار، رافعًا راية الوطن كما رفعها أبطال أكتوبر من قبل.
تحيا مصر… تحيا مصر… تحيا مصر.
حفظ الله الوطن، وحمى جيشه وشعبه من كل شر.