مقالات الكُتاب

الربوتات والمسقبل المجهول

أنس جرايف

تحطمت الفوارق بين ما هو حقيقي و ما هو غير حقيقي، الروبوطات اليوم لن تفوت أي مجال بعد الآن لتظهر فيه مهاراتها الفائقة، فهي تعرف القراءة والكتابة والعد، تتعلم القيادة، تتعرف على الصور و على الأفراد ، تستطيع التنبؤ ويمكنها شفاء المرضى أيضًا، لكن يمكنها التجسس وتهديد ديمقراطية الدول المتقدمة من ناحية أخرى. هذا هو المزيج من المشاعر الذي تولّدُه هذه الآلات، والذي يقع بين الحماس والخوف. فهل يمكن أن تشكل تهديداً للبشرية أم ننتقل بالفعل إلى عصر تنويري جديد ؟ هل يمكننا أن نصدق أفلام الخيال العلمي التي تظهر أن الآلة ستسيطر ذات يوم على البشر الذين يفقدون بدورهم السيطرة عليها، أم أنها إضافة حقيقية للإنسان ليبلغ الكمال؟ هل يمكنها يومًا ما أن تحل محل علمائنا وتهدد مناصبنا، أن تحل محل الإنسان ببساطة، أم إن الإنسان سيعلم كيف يبلّغ جزءًا فقط من ذكائه لهذه الآلات و يحافظ على سيطرته لها ؟
بعد الدور الذي أخده Chat GPT كنجم جديد، يجذب انتباه عامة الناس وكذلك خبراء التكنولوجيا في عالم الذكاء الاصطناعي . نموذج لغوي صممه OpenAI والذي يتجاوز حدود التواصل بين الإنسان والآلة، ينجز ما هو مطلوب منه ويكيف شخصيته، فيمكنه: كتابة الكتب، تنظيم الملاحظات، التخطيط للإجازات، تطوير أسطُر من التعليمات البرمجية، كتابة السيرة الذاتية…إن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو الإمكانات المستقبلية لـ ChatGPT مع استمرار الذكاء الاصطناعي في التطور. و من جهة أخرى يعرف أيضا مجال الروبوطات المرافقة للإنسان تقدما كبيرا حيث كشفت شركة Tesla في ديسمبر 2023 عن الجيل الثاني من Optimus الروبوت الآلي الذي يشبه الإنسان. فبفضل أجهزة الاستشعار اللمسية التي تكتشف سطح الأشياء، يمكنه الآن التعامل مع الأشياء الهشة، مثل البيضة، دون كسرها، كما يمكنه الرقص و ممارسة تمارين رياضية أيضاً. وبحسب الفيديو الذي نشرته تسلا، فإن الروبوت قادر على التحرك بشكل أسرع من الإصدار السابق بنسبة 30%.
منذ الحرب العالمية الثانية ومسألة ما إذا كانت الآلات قادرة على التفكير أو التعلم موجودة. خلال هذه الفترة، عمل البريطانيون على آلة قادرة على فك رموز النازية، سيمثل هذا الاختراع بداية الذكاء الاصطناعي الذي نعرفه اليوم. ظهرت كلمة “الذكاء الاصطناعي” عام 1956، فالموضوع ليس حديث العهد كما يبدو. ثم في عام 1990 طور الباحثون ما نسميه بالتعلم العميق، وهو نهج مستوحى من الدماغ البشري، والهدف هو السماح للكمبيوتر بالرؤية، السماع ،الحوار ،التنبؤ والإبداع، هنا بدأت الآلة بالتعلم بنفسها إذا أردنا قول ذلك. ثم نشهد تطورات كبيرة بفضل الكم الهائل من البيانات المتاحة وزيادة قوة الحوسبة، بدءًا من التعرف على الصوت أو الوجه وحتى القيادة الذاتية، مرورا بمولدات النصوص، فالذكاء الاصطناعي موجود بالفعل في كل مكان، ويتسارع تطوره بوتيرة جنونية.
اليوم، تستخدم العديد من المجالات الذكاء الاصطناعي، مثل الجراحة بمساعدة الكمبيوتر في الطب، مما يجعل من الممكن تحسين الدقة أو العمل عن بعد، إلا أنه في هذا المجال لا يمكننا الاعتماد عليه تمامًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتعليمات أو الوصفات الطبية التي تقترحها هذه البرامج على المرضى بما أنها قادرة على إعطاء معلومات خاطئة بثقة عالية. من ناحية أخرى، تلجأ إسرائيل أيضًا إلى الذكاء الاصطناعي في حربها لاختيار 250 هدفًا يوميًا نظرًا لأن الجنرالات معًا لا يستطيعون إجراء الكثير من الحسابات ليكونوا دقيقين جدًا في ضرباتهم، كما تم استخدام طائرات بدون طيار ذكية في أوكرانيا لمضاعفة الهجمات. فعلى الرغم من فضائله، فإن سباق التسلح القائم على الذكاء الاصطناعي يسبب الكثير من القلق داخل المجتمع العالمي، و يدفعنا للتفكير بجدية في ما إذا كنا بالفعل قادرين على تأطير هذا التطور بالشكل الملائم.
حتى الآن، كانت الوظائف التي لا تتطلب مهارات ما هي التي تم ملؤها أو تعديلها بواسطة الآلات، خاصة في المصانع. اليوم، يتم أخذ الأعمال الروتينية بعين الاعتبار، فبفضل مرونة إيماءات هذه الروبوتات وسهولة حركتهم، أصبح من الممكن توقعهم يعملون السباكة و البستنة. في اليابان مثلا، يحل نظام واتسون Watson، الذكاء الاصطناعي الشهير لشركة IBM، محل أربعة وثلاثين موظفًا في شركة تأمين على الحياة، أي ربع القوى العاملة للشركة. ربما سينتهي الأمر بالحكومات بفرض ضريبة لمستخدمي هذه الآلات مستقبلا لتعويض المتضررين، من المرجح أيضا أن يمنع بعض استعمالاتها في مجالات معينة تضم عددا مهما من الموظفين. باختصار، سواء أحببنا ذلك أم لا، سنستبدل بلا شك بآلة يومًا ما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى