مقالات الكُتاب

دكتور رودريك نوفل يكتب .. الفدرالية هروب إلى الأمام أم تراجع رهيب؟ لا خياراً آخر، بالفعل لا…

جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة والتحرير وجدى وزيرى 

الفدرالية هروب إلى الأمام أم تراجع رهيب؟
لا خياراً آخر، بالفعل لا…
هذا هو واقع النداء الفدرالي و المطالبين بالفدرالية و المطبّلين لها! هل فعلاً الفدرالية حلاً لمشاكل لبنان كما يدّعي هؤلاء؟ طبعاً لا و ألف لا، إذا أردنا تبسيط الأمور و التنظير من بعيد فالموضوع حقاً إنتشر كثيراً و خصوصاً في الشارع المسيحي و بسؤال إستفتاء بسيط تجد تسعة من أصل عشرة أشخاص في الشارع المسيحي يطالبون بالفدرالية و التقسيم و الإنفصال حتى وصل الأمر بالبعض إلى تحديد مناطق محررة يطالبون بفصلها عن مناطق تواجد حزب الله ظناً منهم أن هذا الهروب إلى الأمام هو حلّ لكن بالواقع هذا لا يحلّ شيء.
لنسأل و نراجع لماذا فشل النظام الفدرالي في حل مشكلة تيغراي في اثيوبيا؟ لماذا فشل في نيجيريا؟ لماذا سقط في ليبيا في الخمسينات بقوة الإنقلاب على الملكية؟
النظام الفدرالي ليس سحراً ولا يعني إعتماده أن الحل أصبح حكمياً ومضموناً في لبنان، لماذا فشلت الفدرالية في الصومال؟ و غيرها من الأمثلة التي لا تنتهي. المشكلة ليست في النظام بل في ذهنية اللبنانيين وثقافتهم السياسية (أو إنعدامها) … الزعماء هم أنفسهم والعائلات السياسية هي نفسها منذ أيام المتصرفية إلى يومنا هذا وهي لم تتغير في ظلّ أكثر من نظام… التغيير يبدأ بالذهنية التي تؤلّه الحزب والزعيم و البَيك و المير و المشايخ و الإقطاع ….
كيف نريد للنظام الفدرالي أن يغَيّر الأشخاص؟ هل برأيكم حكم الكانتون المسيحي سيكون خارج دائرة سيطرة القوات والعونيين وفرنجية والكتائب؟ هل سيكون مكان للآخرين؟ أو هل سيكون مكان لغير الثنائي و المستقبل و الإشتراكي عند المسلمين؟ قانون الإنتخاب والدوائر الإنتخابية شكل من أشكال الإنتخابات الفدرالية… ماذا كانت النتيجة؟ لا شيء مفيد للبلد… المشكلة ليست في النظام الفدرالي بحد ذاته وإنما بإعتبار أن النظام الفدرالي قادر على إنقاذ لبنان من سلاح حزب الله وهذا غير ممكن و نكرر: كيف يمكن الوصول الى الفدرالية في ظل الإنقسام العامودي حول السياسات الدفاعية والنقدية والخارجية بين من يتبع المشروع الإيراني وولاية الفقيه ومن يريد لبنان دولة سيّدة حرّة و مستقلّة؟ فالإتفاق على هذه الثلاثية هو عامود الأساس في أي شكل من أشكال الأنظمة الفدراليّة. ماذا سيكون موقف سفير لبنان في الأمم المتحدة والجامعة العربية مثلاً في التعاطي مع القرارات؟ هل سيصَوّت بحسب رأي الكانتون المسيحي؟ أو الشيعي؟ أو الدرزي؟ أو السنّي؟ وما الذي يمنع إذا كانت الكانتونات الإسلامية على أساس مذهبي لا طائفي أن تطالب المذاهب المسيحية بكانتونات مذهبية لا طائفية بحيث يطالب الارثوذكس والكاثوليك و الأرمن وغيرهم بكانتونات؟ ثم هناك واقعة تاريخية على شكل سؤال: “نظام القائممقاميتين المسيحية والدرزية في جبل لبنان ألم يكن نظاما فدرالياً في ظل الإحتلال العثماني؟ هل منع تقاتل المسيحيين والدروز؟ وهل كان الحل ّللصراع الطائفي؟ وهل ضمن التعددية والتنوّع بجو من السلام والإستقرار؟”
السودان قبل الإنفصال كان فدرالياً … هل منعت الفدرالية الحرب في جنوب السودان؟ لا يمكن أن يكون المخرج من الأزمات بهذه السعولة، من دون تحالفات عربية ودولية على أساس رؤية جيو سياسية واضحة لا يمكن الخروج من الازمة. وطرح تعديل النظام وشكل النظام اللبناني لا يعني أحداً في العالم. ما يهم العالم هو كيف سيتعاطى لبنان مع محيطه والعالم في ضوء ذلك، يساعدون أو لا يساعدون سواء كان النظام فدرالي أو كونفدرالي أو ملكي أو رئاسي أو جمهوري أو أي شيء آخر.
النظام شأن داخلي بين اللبنانيين، أمّا السياسات فهي التي تهم الدول وهي التي على أساسها تُبنى التحالفات وتُتَّخذ قرارات الدعم. الأولوية للسياسات والرؤى والتوجهات وعلى أساسها تُبنى الأنظمة. أمّا بالنسبة للذين يعنبرون أن النظام الفدرالي قد يكون أداة بمواجهة حزب الله فالمعادلة مختلفة و خاطئة جداً؛ إذا أردنا مواجهة حزب الله علينا إضعافه، وإضعافه ممكن من خلال إغراقه عددياً وديموغرافياً بلبنانيين يرفضون “ثقافة الموت والتبعية” وهذا متاح من خلال المغتربين اللبنانيين. عودة هؤلاء الى الحياة الوطنية وإشراكهم في المساهمة برسم السياسات والخيارات وقدرتهم على التأثير في مواقع القرار الدولي (يَنتخبون و يُنتخبون) تسدّ فجوة كبيرة في عملنا لإضعاف الإحتلال الإيراني وتحرير لبنان وتأمين التحالفات والدعم العربي والدولي للبنان.
و إجابة للسؤال : “هل يرضى حزب الله بالفيدالية؟” هو “هل يرضى حزب الله أن يتحرر لبنان من سطوة إحتلاله؟” دون أن ننسى أن بعض المطالبين الجديين بالفدرالية بدأوا بفتح حوارات مع الحزب في الوقت الذي يعتبرونه غير شرعي و تابع لإيران ما هو مرادف العمالة و يجاهرون بهذا علناً، فكلّ من يحاور “عميل” لا يمكن إعتبارة وطنياً حتى لو أخذنا بعين الإعتبار حسن النوايا.
المشكلة أن السير في فرض الفيدرالية أو الحكم الذاتي في المناطق التي لا تزال خارج سطوة إحتلال حزب الله عملي ومنطقي أكثر من تحرير كل لبنان من سطوة الإحتلال الإيراني بالمواجهة العسكرية لكن تنفيذه و السَير به غير منطقي تماماً و الأمثلة كثيرة آخرها وفاة الطفلة “نايا جان حنّا” من جراء رصاصة طائشة طالتها و هي في منطقة الحدث من الضاحية الجنوبية لبيروت حيث قدّر الجيش أنها أتت من إطلاق نار في مأتم و قدّر رئيس الوزراء أنها رصاصة طائشة من الإحتفالات بنتائج الإمتحانات الرسمية و النتيجة واحدة؛ طفلة بعمر ٧ سنوات وحيدة والديها توفيَت في منطقة من جراء رصاصة طائشة من فدرالية أُخرى… من يحاسب من؟ من يلقي القبض على الفاعل؟ من يحقق بالجريمة؟ ماذا حدث على أرض الواقع؟ لا شيء سوى أن الحكومة قررت و طلبت من وزير التربية ترسيب ولد المبتهج بالنيران في حال إلقاء القبض عليه و هذا الذي يزيد الطين بِلّة في غياب الدولة المُطلق. في بداية ٢٠٢٣ دخل حزب الله على رميش، الضيعة المسالمة في الجنوب و قطع الأشجار و إحتلّ الأراضي في منطقة ساقطة عسكرياً و أهلها عاجزين لولا الإعلام و تدخّل البطريركية المارونية و الضغط على الرأي العام لكان لا يزال الحزب لليوم قابعاً في تلك الأراضي. قبلها كان الهجوم على عين الرمانة الذي لولا تدخل الجيش لإنتهى بحمّام دمّ رغم تحفظنا على عدم إستباق الجيش لأي خطوة رغم التحركات التي حصلت ليلة المظاهرة و التي وثقّها الأهالي على شبكات التواصل الإجتماعي. قبلها كان الهجوم بسيارات تحمل شعارات حركة على منطقة مغدوشة الجنوبية و تكسير المزارات الدينية و غيرها و غيرها من الأمثال و اللائحة تطول و لا تنتهي.
طرح الفدرالية هو بمثابة طرح عقد إجتماعي جديد يأتي في لحظة عدم التوازن، فموازين القوى طابش لفريق السلاح و الجلوس على الطاولة معه لعقد إتفاق هو كالإنتحار مع سابق تصَوّر و تصميم.
وأكثر من ذلك المراهنة على الوقت أو التغييرات السياسية كسقوط نظام الملالي في المنطقة أو إنتخاب رئيس الجمهورية أو نتائج الإنتخابات الأميركية المقبلة كلها إبر مخدرة أو منومة لم و لن تأتي بأيّة نتيجة.
بالتالي من الضروري أن نقتنع بضرورة إيجاد حلول لإنهاء الإحتلال الإيراني خارج ألمواجهة العسكرية التي تعنى الحرب الاهلية. و قد يكون الحلّ التدخل الأممي تحت الفصل السابع بمعاونة الأشقاء العرب او العمل لفرض الحياد كمدخل لتطويق وإيقاف تمدد سرطان الإحتلال الإيراني الذي أشبهه بمجموعة أسماك بيرانا المفترسة في بركة مغلقة لا بد المرور من خلالها للوصول إلى وطن، و بظلّ عدم مساواتنا مع قدراتها المفترسة المتثمثلة بالسلاح علينا العمل على إنقاص المياه من محيطها تدريجياً و هذا قد يأتي بمثابرة و تظافر جهود الجميع و ليس طرف واحد فمن يفتش على حل لمشكلة طائفية من خلال الفدرالية نذكره أن الفلسطينيين شرّعوا إتفاق القاهرة الذي أعطاه الغطاء جزء من المسيحيين، والجبهة اللبنانية المسيحية حينها وافقت عالدخول السوري بهدف تصغير المشكلة و سرعان ما حصل الإنقلاب على لبنان و حالياً ممكن نصف المسيحيين غطّوا سلاح حزب الله بطريقة مباشرة أو غير مباشرة سواء عبر التحالف المباشر معه كالتيار الوطني الحر أو التحالف مع من ينتخب رئيس مجلّس نوّاب مكرّس لغطاء حزب الله كتحالف القوات و الإشتراكي الذي أوصل من خلاله نوّاب الإشتراكي نبيه برّي واحجة للحزب ورئيساً للمجلس بـ٦٥ صوتاً. و عليه فإن مصائب لبنان من سياسة المسيحيين و من سياسة المسلمين على حدّ سواء و إذا ذهبنا إلى كانتون مسيحي لا يعني حَلَّينا مشاكل التدخّل الخارجي فينا وتقوية فريق مسلم على مسيحي أو العكس لن يأتي سوى بالمصائب و البلاء على البلد.
أميركا فدرالية … هلّ حلت مشكلة البيض والسود؟ والعراق يعيش نوع من الفدرالية مع الأكراد … لماذا لم تُحَلّ الازمة؟ الموضوع أكبر من موضوع فاتورة كهرباء و خدمات، الموضوع محاولة إلتفاف على عجز جزئي سيتسبب لنا بالشلل النهائي بدل من مقاومة العجز و التغلّب عليه و بدل أن نحوّل العجز إلى تقدّم فنحن بالفدراليّة “الآن” و في إنعدام موازين القوى نحوّل هذا العجز الجزئي إلى تراجع رهيب و شلل دائم غير قابل للعلاج.

بكره أحلى

رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير : وجدى وزيرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى