مقالات الكُتاب

طارق فوزي. يكتب وجهة نظر الصفعة الكبري

جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس التحرير وجدى وزيرى

أنه يوم العاشر من شهر مارس 2023، أنه مشهد تاريخي هام سنتوقف أمامه كثيرا بالدراسة و التحليل، و سيكون له انعكاسات خطيرة علي مجريات النظام العالمي الجديد، والذي بدأ يلوح في الأفق ،و بات وشيكا.
أنه التاريخ الذي فاجئت المملكة العربية السعودية العالم بإستئناف علاقتها الدبلوماسية مع إيران ،
بعد قطيعة إستمرت بين الدولتين 7 سنوات أي منذ عام 2016 علي يتم إعادة فتح السفارات و العلاقات الدبلوماسية في مدة أقصاها شهرين .
و قد جاءت ردود الفعل الدولية سريعاً بين الترحيب و التأييد ،و بين التخوف،
و الحذر و بين الدعوة لإيران بالتخلي عن أعمالها المزعزعة للاستقرار
في المنطقة ،و في تهدئة التوترات الإقليمية.
بينما جاءت تصريحات الخارجية الأمريكية بالترحاب المشوب بالحذر
و عدم الثقة في إيران في عدم الإلتزام بتعهداتها التعاقدية الدولية في شأن إتفاقية المفاعلات النووية الإيرانية.
بينما جاء رد فعل إسرائيل بشأن إستئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية و إيران متوقعا ،و كان أشبه بالصدمة حيث أبدي الإعلام الإسرائيلي قلقاً عميقا ،
و مخاوف من عودة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية و إيران واصفاً هذه الاتفاقية بأنها بمثابة ( فشل إسرائيلي ) ،
و أعربت مصادر إسرائيلية رفيعة المستوى أن ما دفع المملكة العربية السعودية الي عقد مثل هذا الإتفاق مع إيران أن السعودية بتشعر بوجود ضعف أمريكي و اسرائيلي و لذلك توجهت الي آفاق آخري.
و قد علقت الصحيفة الإسرائيلية
( يدعوت أحرنوت) في تحليلها الي أن الاتفاق هو “خطوة تعتبر تعبيراً عن عدم الثقة في القيادة الأمريكية و كذلك تعبير سعودي عن عدم الثقة في رؤية نتنياهو لعزل إيران
و من الناحية العملية يمكن النظر إلي القرار السعودي علي أنه ( بصقة في وجه إسرائيل) ”
هذا و قد صرح” يائير لبيد” وزير خارجية إسرائيل السابق” إن هذا الأتفاق هو (فشل كامل و خطير للسياسة الخارجية للحكومة الإسرائيلية ،
و هذا إنهيار لجدار الدفاع الإقليمي الذي بدأنا ببنائه ضد إيران ) .

**و لتحليل الخطوة المفاجئة التي اتخذتها السعودية لإعادة العلاقات الدبلوماسية مع ايران نستطيع القول:

1- هذا “الحدث الدراماتيكي الخطير” لم تقدم عليه المملكة العربية السعودية إلا بواسطة صينية، و هي كلمة السر،
و مفتاح نجاح هذه المفاوضات بين السعودية و إيران و آلتي إستمرت مدة عامين ، ” فالتنين الصيني” قد سحب البساط فيما يتعلق بالسياسة الخارجية من الولايات المتحدة الأمريكية و دخل بثقله في التواجد و بقوة في منطقة الشرق الأوسط،ووجد نفسه شريك بل و طرف و لاعب مهم جدا في التقارب الدبلوماسي و حل النزاعات بين دولتين بطرق سلمية هادئة فشلت فيها جميع الجهود الدولية ،و حتي الولايات المتحدة الأمريكية في حلها ،بعد أن ضاقوا ذرعا
و لسنوات طويلة
من الخلافات السياسية
و الضغوط الدولية .

2 – إن التوقيع علي هذه الاتفاقية بين المملكة العربية السعودية و إيران قد تم في ” بكين ” و ليس في الرياض او في طهران و هذا يؤكد أن هذه الاتفاقية “برعاية صينية ” و بضمان تنفيذ بنودها و التي أهمها الحفاظ علي سيادة الدول و عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من الدولتين ، و هو ما يظهر جلياً حرص الدولتين علي تأمين أمن وسلامة حدودهما هو أن الذي وقع علي هذه الاتفاقية هما مستشار الأمن القومي السعودي و من الجانب الإيراني الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران ، و معني ذلك أن طرفي التوقيع علي الإتفاقية لكلا الدولتين هما مستشارين للأمن القومي
، و ليسوا وزراء الخارجية أو وزراء الدفاع ،و معني ذلك أنها ” اتفاقية أمنية “تهدف إلي الحفاظ علي علي الأمن الإقليمي،
و حماية حدود الدولتين من القيام بأي أعمال عدائية أو تهديدات مباشرة تمس سيادة و أمن وسلامة أراضي الدولتين.

3 – و لعل الهدف الاستراتيجي الذي لا يقل أهمية عن الأمن القومي لكلا الدولتين هو منع التدخل من قبل القوي غربية و إقليمية ( الولايات المتحدة الأمريكية
و حليفتها إسرائيل) في التدخل في الأمن الإقليمية و الجيوسياسية بين الدولتين، و بذلك تكون المملكة قد حققت هدفها ووضعت حد مع إيران لمنع أي تهديدات أو مخاطر تمس الأمن القومى لها.

4- إن إتفاقية إعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية و إيران برعاية الصين هي بمثابة (صفعة ثلاثية الأبعاد لواشنطن)
و فشل ذريع للإدارة الأمريكية برئاسة جو بايدن، و سيكون هناك تنازلات كبيرة منها في منطقة الشرق الأوسط، فالصين أول مرة في التاريخ تلعب دور الوسيط، و بتعلن ترسيخ قواعدها ،
و تثبت أقدامها في منطقة الشرق الأوسط فوق “الطرحة الأمريكية البمبي” حيث استطاعت الصين بإستخدام الطرق السلمية و الجلوس على مائدة المفاوضات و الحوار الدبلوماسي السلمي دون إراقة قطرة دم واحدة .
و قد جاء تصريح الرئيس الصيني قبل إعلان التصالح بين السعودية و إيران عندما قال :
” توقعوا تغييرات
لم نشهدها منذ قرون “.
هذا التصريح الخطير يستحق الوقوف أمامه كثيراً، كما أن وجود الصين كداعم لتنفيذ اتفاقية استئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية و إيران يعزز من قدرة الصين في تثبيت تواجدها و بقوة في منطقة الشرق الأوسط و أن الصين عرضت نفسها ليس أمام السعودية فقط و إنما علي منطقة الشرق الأوسط بل علي الساحة الدولية كلها،لتكون حمامة سلام في إنهاء الصراعات الإقليمية الدولية المستعصية ، و أفضل من تستخدم الطرق الدبلوماسية علي مائدة الحوار المباشر
بين الأطراف المتصارعة
و بنجاح ، و ذلك دون اللجوء إلي منافستها الولايات المتحدة الأمريكية أو أي دولة أخري في المنطقة لحل المنازعات الدولية.
5- أن المملكة العربية السعودية لم تطلع الولايات المتحدة الأمريكية علي اي تفاصيل مجربات المفاوضات أو خطوات التوقيع علي هذه الاتفاقية و هو يثبت استقلال الإرادة السعودية في إتخاذ قرارها المنفرد ( سواء في إختيار الصين كوسيط او حتي في الجلوس مع إيران في حوار مباشر علي مائدة مفاوضات) و هذا ما يجعلنا نتجه بالرأي الي ضعف الولايات المتحدة الأمريكية و سياستها الخارجية و تراجع هيبتها في النظام العالمي الجديد القائم علي تعدد الأقطاب و ليس نظام قائم علي هيمنة القطب الواحد و الأوحد في العالم.

6- إن هذه الاتفاقية ستفتح الباب علي مصرعيه مستقبلاً لإعادة تقييم شاملة بين إيران و الدول العربية المجاورة الأخري و إعادة العلاقات الدبلوماسية و التي لا تزال العلاقات الدبلوماسية مقطوعة بينها أسوة بما تم مع المملكة العربية السعودية، كما سيمكن هذه الأخيرة من عقد اتفاقيات سلام مع ميلشيات الحوتي في اليمن التي تدعمها إيران بالتسليح و التمويل ، و هو ما صرح به وزير خارجية السعودية بالقول” إن هذه الاتفاقية ستفتح المجال الي عقد اتفاق سلام مع اليمن “. مما سيحد من التوترات في المنطقة. كما ستعود العلاقات السياسية بين السعودية و سوريا و لبنان .

7- أن الصين استطاعت في نجاح جهودها في إنهاء الخلافات السياسية بين السعودية و إيران الذي أثمر علي أن وضع يدها علي أهم الموارد و المنابع البترولية في العالم و التي ستمكنها مستقبلاً من استمرار تدفق الإمدادات و ملئ مخاذنها بمصادر الطاقة و هو البترول الذي سيحقق لها التنمية المستدامة لاقتصادها .

8- و ختاماً أن هذه الاتفاقية بين السعودية و إيران هي حصاد و جني الثمار التي تقوم علي تحقيق (المصالح) في علم السياسة و جميع دول العالم تتحرك وفقا لهذه الايدلوجية الموضوعة بدقة لتتماشى مع مصالحهم.
( فكل إتفاق قابل للاتفاق مهما كان الاختلاف عميقاً، و كل إتفاق قابل للالغاء مهما كان الإتفاق وثيقاً،
و الاخر مرهون ببوصلة المصالح ،و لا شيء آخر ،
و هكذا تدار الأمور سياسياً .

بكره أحلى

رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير : وجدى وزيرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى