مقالات الكُتاب

الحرب الروسية الاوكرانية . ” حرب الاقتصاد التي تضرب العالم “

 

كتب حسين عطايا – كاتب وناشط سياسي لبناني .

منذ شباط – فبراير الماضي ، بداية الحرب الروسية الاوكرانية ، او التي يحلو للبعض بتسميتها الغزو الروسي لاوكرانية ، حيث تتضارب المشاعر والعواطف مابين حلفاء او اصدقاء طرفي الحرب ، ولم يُقصر احد حلفاء الطرفين بكيل المديح وتوزيع شهادات البطولة لحليفه ويصب جام غضبه واكثر النعوت على الطرف الاخر والذي يعتبره العدو ، ولكن غاب عن بال الحلفاء التفتيش عن السبب الجوهري للحرب والذي تغطى بلبوس سياسي ، وهو انضمام اوكرانيا للناتو ، في الوقت التي زال فيه ومنذ اعوام حلف وارسو ، وبالتالي لم تظهر الفلسفة الجديدة للناتو ، أي عدوه او اهدائفه الجديدة ، هذا السبب والذي كان ظاهرياً عنواناً رئيسياً للحرب ، بينما الحقيقة والتي كانت تختبيء ما بين السطور ، والمخفية قسراً وعن تخطيط مُسبق هو ازمة الاقتصاد العالمي والذي تعيشه الولايات المتحدة اولاً واوروبا ثانياً نتيجة النقص في الكثير من السلع الاستراتيجية ، والنفط والغاز احد ابرز تلك الاسباب والاهداف .

على ضوء تلك الحرب والتي اكلت نارها مناطق عديدة من اوكرانيا ويدفع ثمنها للشعبين الروسي والاوكراني والتي وفقاً لروايات وقصص التاريخ المشترك للفريقين والدولتين واللذين ينتميان الى العرق السلافي الواحد ، كما الشعبين ينتميان بغالبيتهما للارثوذوكسية ، وبذلك ، تُصبح هذه الحرب حرباً داخلية او حرباً اهلية يدفعان ثمنها والذي يجني نتائجها وارباحها بالسياسة والاقتصاد الولايات المتحدة الامريكية ، اما الخاسرون فهم كُثُر تبدأ مع الشعبين الروسي والاوكراني ومن ثم القارة العجوز ” اوروبا ” ، ويليها شعوب دول العالم الثالث وذلك نتيجة تلك الحرب وما نتج عنها قلة في توريد المواد الغذائية ، طالما شكلت روسيا واوكرانيا اكثرية صادرتها من القمح وباقي الحبوب كما زيوت الطهي وغيرها من سلعٍ اساسية يحتاجها العالم ، عدا عن الارتفاع بثمن النفط والغاز وماينتج وسينتج عنهما من ارتفاع على مستوى كل السلع الباقية نتيجة تحكم هاتين السلعتين بكل وسائل النقل والتدفئة على مستوى العالم وهذا ما ساهم في ازدياد نسبة التضخم العالمي وما سيزيد دول العالم الثالث اكثر فقراً وينعكس سلباً على اوروبا وباقي جهات العالم الاربع .

الى هنا كانت لا تزال الولايات المتحدة تتحكم بخيوط اللعبة ، وعليها بنى الرئيس الامركي بايدن وإدارته ، سياساته الداخلية والدولية ، وعلى هذا الاساس قام بجولته الشرق اوسطية التي اوصلته الى المملكة العربية السعودية ومشاركته في اجتماع قادة الخليج مع بعض القادة العرب ، ” الاردن ومصر والعراق ” الذين اجتمعو في المملكة ، وهذا ما كان مناقضاً وانقلاباً على سياسته الاولى والتي بناها على اساس أنه سيعمل على اعتبار العربية السعودية دولة منبوذة على المستوى العالمي ، وكان يعتبر انه من المستحيل اللقاء مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ، لكن زيارته أجبرته على اللقاء وحضور اجتماع برئاسة ولي العهد السعودي ، وكلنا يتذكر ذلك اللقاء الجاف ما بين الرجلين والاستقبال بينما كانت الصورة مُعاكسة تماماً مع بقية زعماء القمة المشاركين في اجتماع الرياض .
وابرز ما كان هدف اللقاء هو زيادة صادرات النفط ، وهذا ما لم يحدث او يحصل بل كان اجتماع مجموعة اوبك بلاس بوجود روسيا مٌخيباً امال بايدن وإدارته .

هذا ما دفع الادارة الامريكية فتح قنوات اتصال جانبية وبعيدا عن انظار الاخرين من حلفاء واعلاميين على هامش مفاوضات فيينا حول البرنامج النووي الايراني وتم التوصل وبمشاركة قطرية الى التوصل لشبه اتفاق على السماح بزيادة صادرت النفط الايرانية من ٤٠٠ الف برميل يومياً الى حدود مليوني برميل تقريبا ، وهذا ماساهم بإعطاء سوق النفط بعضاً من استقرار وهدوء ساهم بانخفاض اسعار البترول الخام من مئة وعشرين دولاراً للبرميل ووصل الى حدود التسعين دولاراً للبرميل ، وفي نفس السياق هدف ذلك الاتفاق الى التوصل الى ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل والذي كان نتيجة عملٍ دؤب من الوسيط الامركي ” آموس هوكستين ” والذي ارسل قبل اسبوع برقية تتضمن وثيقة خطية عن اساسيات ورقة التفاهم حول الترسيم والذي اصبح قيد التوصل الى الاتفاق قريباً إلا اذا كانت شياطين التفاصيل ستضرب ذلك او تؤجله الى اجل قريب او بعيد ، وهذا ما ستكشفه الايام المقبلة .

اما بخصوص الاتفاق النفطي الايراني الامركي ، وترابطه مع قرب التوصل الى ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وأسرائيل ، فاليوم وعلى إثر الاجتماع الذي حصل اليوم في فيينا وقرار مجموعة اوبك بلاس الى قرار يبدأ تنفيذه بدءاً من الاول من تشرين الثاني – نوفمبر القادم وهو تخفيض سقف الانتاج بحدود مليوني برميل يومياً مما سيساهم بحفظ حق دول المجموعة في استعادة اسعار النفط والتي كانت سائدة قبل مايزيد عن ثلاثة اشهر حيث سادت الاسواق عمليات تنازل للاسعار حتى وصلت لسقف تسعون دولاراً للبرميل الواحد من النفط الخام ، وللعلم بأن مجموعة دول اوبك بلاس تستحوذ على نسبة اربعين بالمئة من حجم السوق العالمي للنفط .
كل هذه الامور مع ما تُعانيه اوروبا من ازمة نفطٍ وغاز خصوصاً مع قدوم فصل الشتاء في اوروبا مع ماتُعانيه من ازمة شِتاء قارس سيعم اوروبا في الاسابيع والاشهر القادمة ، وفي حال تعثرت عملية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل ، سيؤثر على تصدير غاز حقل كاريش لاوروبا والذي كانت الادارة الامريكية واوروبا تعول عليه ليكون بديلاً عن الغاز الروسي .

بذلك تكون اوبك بلاس وجهت ضربة قاتلة لسياسة وخطط الرئيس الامريكي بايدن وإدارته ، ووضعهم في وضعٍ مُحرج مع عدم التوصل قريباً الى حل يُرضي طرفي النزاع في الحرب الروسية الاوكرانية ، مما سيُعطي فرصاً للسلام وسيُعيد الولايات المتحدة الى انها القطب الاوحد في إدارة شؤن العالم ، وهذا ما وضعت حداً له تلك الحرب واظهرت بأن إدارة عالمية جديدة سيعرفها العالم بعد وصول الحرب الروسية الاوكرانية الى تحقيق اهدافها ووفقاً للتحالفات السياسية والاقتصادية التي ستنبثق في المرحلة الطالعة وقد تطول او تقصُر وفقاً لتطور تلك الحرب وسيرها على الجبهات والى اي طرف سينتصر في تلك الحرب ولمن ستكون النتائج والفوز .

بكره أحلى

رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير : وجدى وزيرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock