مقالات الكُتاب

الصالونات الثقافية والأدبية ما لها وما عليها

بقلم: الاستاذ الدكتور

عادل القليعي
أستاذ الفلسفة الإسلامية
آداب حلوان.
كثيرا ما كانت توجه إلي الدعوات لحضور الملتقى الثقافي أو الأدبي أو حتى في تخصصي الفكر الإسلامي، وأحيانا ألبي هذه الدعوات، وأحايين كثيرة أمتنع عن الذهاب وأتحجج بحجج كثيرة، صراحة حجج متهافته، لكن لحفظ ماء وجهي وماء وجه من يرسلها لي.
ولعل أسباب كثيرة هي التي تمنعني من الذهاب، دوما ما كنت أتساءل في قرارة نفسي ما الفائدة المرجوة من هذه الصالونات المغلقة التي تأخذ طابع الكلاسيكية التقليدية التي تتشابه إلى حد بعيد بصالونات الباشاوات والبكوات أيام الحكم الملكي، وجوه باسمة ضاحكة، رابطات عنق شيك جدااا، بذات باهظة الثمن، مشروبات ومأكولات فخمة ومفتخرة، مجاملات ومعسول كلام، صحافيين وأدباء وشعراء وممثلين وحتى لاعبي الكرة، وأتساءل ما علاقة لاعبي الكرة بالمنتديات الثقافية، أنا لا أقلل من شأن أحد، لكن لكل مقام مقال، المفترض أن مثل هذا الصالونات الشيك ذات الكرسي المذهبة المنمقة لا تضم إلا صفوة أهل الثقافة والفكر على كافة مستوياته، والأدهى والأمر من ذلك أنك تجد من بين الحضور راقصات، ما علاقة هؤلاء بالثقافة، هل أتين ليقدمن مقترح عن ثقافة الرقص بأنواعه سواء كان شرقي أو غربي، وكذلك مما أثار فضولي في أحدي الصالونات التي ذهبت إليها، أني وجدت مغنيا غريب الشكل، غريب الملامح، صوته أصابني بالغثيان، فقلت لمن كان جالساً بجواري من هذا، قال والله لا أعلمه، قلت هل من المعقول أن يدعى أمثال هؤلاء إلي ملتقى ثقافي يضم خيرة مثقفي الأمة، هل هذا ما وصلنا إليه، هل هذا الذي سيثري حياتنا الفكرية والأدبية والثقافية، هل هذا الذي سيجعلنا نواكب التقدم ويفيقنا من سباتنا وما أصابنا من ركود فكري وثقافي ، وما أصابنا من تدن قيمي وأخلاقي ونلحق بالركب الحضاري، أي إسفاف، وأي ابتذال هذا، ما كنا نشاهده في التلفاز وما كنا نسمعه عن هذه الصالونات قديما أنها كانت تضم خيرة القوم في كافة المجالات، حتى في الغناء، كنا نشاهد الست أم كلثوم، وعبده الحامولي، القصبجي ورياض السنباطي وأحمد شوقي باشا وأحمد رامي، حتى إذا ما قاموا يقدموا شعرا أو نثرا أو غنائا تسمع عزب الكلمات وعزب الألحان التي تعزف على القلوب فترققها.
كنا نقرأ في المدونات القديمة المودعة بدار الكتب مطبوعات هذه الصالونات وكنا نقرأ عن مدونات علي أمين ومصطفى أمين وعائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ وكذلك من قبل هؤلاء صالونات ثقافية فكرية حقيقية كانت تهتم بقضايانا المعيشة، قضايا وهموم البلد، قضايا المرأة والحرية الفكرية، حتى القضايا الدينية كانت تفرد لها ندوات، مثل الندوات التي بدأت مغلقة ثم تم تفعيلها على مستويات واسعة كحديث جمال الدين الأفغاني عن الجامعة الإسلامية والكواكبي، وقضايا المرأة وتربيتها وتعليمها عند الطهطاوي وقاسم أمين ، حتى عندما كان يقدم فيلما سينمائيا كانت تفرد له ندوات صالونية لمناقشة محتواه وما سيقدمه للمتلقي وهل سيفيد واقعنا أم لا، إذا أتفق الجميع أو الغالبية العظمى على أهميته ترفع توصية على الفور للرقابة والجهات المختصة بضرورة دعمه لضمان استمراريته، والعكس إذا كان غير ذي فائدة وليس ثمة استفادة منه يحظر بثه ونشره، أما الآن- إلا ما رحم ربي- كله تمام، من يدفع يحصل على البركة، المهم العمل يقدم-عملهم أسود- حتى لو كانت مادته وقصته هابطة تشرعن للرذيلة وإثارة الشهوات والغرائز، يقدم وعند السؤال بلماذا ؟! يأتيك الرد من المتفيهقيين المأجوريين لنشر التوعية، سبحان الله، ننشر الوعى من خلال نشر الرذيلة والأفلام الهابطة.
أما الآن حدث ولا حرج _وكعادتي لا أعمم الأحكام ولا أصدرها على عواهنها، لذا أقول إلا ما رحم ربي_ تذهب إلي الصالون المسمي بالصالون الأدبي فتجد ما لا يسر حبيب، ويسر به عدو لأن الحبيب الحقيقي هو الذي سيأسف على حالنا وما وصل إليه فكرنا من سطحية وهامشية وافتقار إلى مضمون نص حقيقي يقدم فكرا راقيا لا فكرا حلزونيا يشبه (الحلزونة يا أما الحلزونة)وهذا تجسيد لواقع مأزوم واقع ثقافي يعصف بالمتلقى فيصيبه بالتخمة تخمة العقول من كثرة حشوها بتوافه الأمور.
والنتيجة صفر ناتجه صفر، في أصفار كثيرة، ظلمات بعضها فوق بعض، أما العدو فسيفرح جدا، بل وسيقف متفرجا مصفقا لنا.
نذهب إلى هذه الصالونات، ونجد عجب العجاب، إن هذا لشيئ عجاب، المنصة يعتليها ما يطلقون على أنفسهم مفكرين، وهم أبعد ما يكونون عن التفكير، مصطفون على الكراسي الكل يريد اللقطة، أضحك حتى تكون الصورة حلوة، إهتمام بالشكل والمضمون أجوف، وإذا قام واحد من الحضور يود مناقشتهم في ديوان شعري، أو رواية أدبية، أو قضية ما محل النقاش، تجد التفنن في تحجيمه، التفنن في الرد عليه واسكنه واجلاسه في مكانه، يا من تنصبون أنفسكم محامين عن الثقافة والفكر، أعطوه فرضة يتكلم، أم أن كلامه ثقيل على قلوبكم لماذا؟!، لأنه يقول الصدق والحق دون نفاق، دون مجاملة، يريد نهضة حقيقية للثقافة، يريد علاجا ناجعا لمشكلاتنا، لا أنت لست مثقفا أنت لا تفقه شيئا، أنت مغرض، كيف تتطاول على هؤلاء الأشاوس، فيا هؤلاء الأشاوس ماذا قدمتم أنتم لنهضة بلادكم ولنشر الوعى الثقافي بين أبناء أوطانكم، فيا هؤلاء هل عندكم من علم فتخرجوه لنا.
هل عندكم حلول جذرية للنهوض بأمتنا العربية وإقالة عثراتها، لا، لا يوجد، إذن فلماذا تذهبون إلى هذه الصالونات والمنتديات، هل ذهاب من أجل الذهاب هل ذهاب للأكل والشراب، والتقاط الصور التذكارية وتوزيع شهادات التقدير والتكريم.
نعم أنا لا أعمم الأحكام ولا أصدرها على عواهنها فما نراه جد يثير حفيظة أي إنسان مهتم بواقع بلده الثقافي غيور عليه يريد الإرتقاء ببلده، نعم لا أعمم الأحكام، فهناك صالونات ثقافية معتبرة وهي قلة قليلة، وهناك منتديات فكرية رائعة تناقش قضايا مهمة، وتطرح أفكار مهمة، وهناك صالونات أكثر من رائعة تناقش قصص أدبية من خلال نقاد ماهرين حاذقين في عملهم، لكن لابد من تفعيل دورهم أكثر وأكثر ولابد من إخراجهم من هذه الغرف المغلقة إلى تجمعات كبيرة في ما كان يطلق عليه بالثقافة الجماهيرية،بخطاب توعوي

بكره أحلى

رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير : وجدى وزيرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى