الخميس, أغسطس 6, 2020
الرئيسيةمقالات الكُتابالأساس الفاسد للتواجد التركي في المياه اليونانية والليبية
مقالات الكُتاب

الأساس الفاسد للتواجد التركي في المياه اليونانية والليبية

كتب : أيمن سلامة
أستاذ القانون الدولي العام

دأبت العثمانية الجديدة التي يكرسها الرئيس التركي رجب طيب أردوجان في السنوات الأخيرة علي تبني سياسة الهيمنة والتوسع العسكري في شرق البحر المتوسط.

ولم تستنكف أن تُجاهر بأنها أتت إلي ليبيا، تدليلا، لتبقي، وأنها تستعيد أمجاد وبطولات الجدود الأتراك، بيد أن الحالة الليبية كشفت عن فجاجة المزاعم الليبية-التركية التي تشرعن التواجد التركي في المناطق الاقتصادية الخالصة لكل من اليونان وليبيا، تأسيسا علي مذكرة التفاهم حول “تحديد المجالات البحرية في البحر المتوسط”، التي وُقعت بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية برئاسة فايز السراج في 28 نوفمبر 2019 في إسطنبول، والتي لم تلق إلا رفضا إقليميًا ودوليًا عارماً .

فخطوط الأساس هي الخطوط المرجعية التي تبدأ الدول منها تحديد بحرها الإقليمي ومنطقتها المتاخمة فضلا عن مياهها الاقتصادية الخالصة.

وفي الحالة الليبية، فإن قاعدة الأساس، أي الدستور، الذي يحدد المركز القانوني لحكومة الوفاق واختصاصاتها في مجال العلاقات الدولية، هو اتفاق الصخيرات الموقع في 17 ديسمبر عام 2015، والذي اعتمده مجلس الأمن بالإجماع.

والمادة الثامنة من اتفاق الصخيرات السياسي، تنص صراحة على أن مجلس رئاسة الوزراء الليبي ككل، وليس رئيس المجلس منفرداً، يملك صلاحية عقد اتفاقات دولية، مما يعني وقوع خرق فاضح لمعاهدة دولية اعتمدها مجلس الأمن بإجماع أعضاءه كما أسلفنا.

وجلي أيضا أنه بقراءة نصوص اتفاق الصخيرات، وتطبيقه علي الواقع الليبي، يتبين من الوهلة الأولي أن مجلس رئاسة الوزراء الليبي “منقوص العضوية بشكل بَيّن”، ويعاني من خلل جسيم في تمثيل جميع المناطق، ومن ثم ينحصر دور رئيس المجلس في تسيير الأعمال لكونه محدود الصلاحية.

وهذه الحقيقة الواقعية تعضد الحقيقة الدستورية التي أسسها اتفاق الصخيرات بخصوص تحديد الهيئة المنوط بها توقيع المعاهدات الدولية، فضلا عن الهيئة المصادقة علي ما وقع من معاهدات دولية، وهنا يعدو السراج غاصبا لسلطة دستورية أخري سواء في التوقيع على المعاهدات الدولية أو المصادقة عليها.

يزعم البعض أن حكومة الوفاق الليبية هي الحكومة الشرعية التي أقرها “مجلس الأمن ” ، ومن ثم يدمغ أفعالها في مجال علاقات الدولة الليبية بالشرعية.

والزعم المتقدم يقوض الأسس التي ترسي بناء الشرعية الدولية ذاتها ، فالشرعية هي ما يوافق القانون، والنصوص ، والحقوق، والموجبات، والمعاهدات، والأعراف الدولية السارية.

وفي سياق مذكرتيْ التفاهم في مجاليّ التعاون الأمني والمناطق البحرية بين رئيس حكومة الوفاق الليبية وتركيا ، فأقل ما تنعت به الإجراءات التي اتخذتها حكومة الوفاق الليبية والحكومة التركية أنها “غير شرعية”، ولا يلزم أو يؤثر إبرام هاتين المذكرتين على مصالح وحقوق أية أطراف ثالثة.

لا تصبح المعاهدة الدولية إلزامية بالنسبة للأطراف المتعاقدة إلا إذا عقدت من قبل السلطات ذات الاختصاص، وروعي في عقدها كل أحكام الدستور المتعلقة بهذا الشأن، ولا تنشأ أية صعوبة، من هذه الناحية حين يكون لرئيس الدولة بالشكل الحصري، وغير المشروط اختصاص التصديق.

والحال ليس كذلك في الحالة الليبية، فالتصديق علي المعاهدات الدولية موكول للبرلمان الليبي، وفي الحالة الليبية ينعت التصديق علي المذكرتين المشار إليهما بالتصديق الناقص، أو التصديق غير النظامي .

واختلفت النظريات الفقهية حول صحة أو بطلان مثل هذه المعاهدات الدولية التي ينقصها التصديق الداخلي اللازم وفق الأصول الدستورية للدول ، ولكن لا تخلو النظرية التي ترى ببطلان المعاهدة المصدقة بشكل غير صحيح من وجاهة، وتستند هذه النظرية إلي المبادئ القانونية المتعلقة بفكرة الاختصاص، إذ أن الشرط الأساسي الواجب مراعاته حتي يحدث التصديق نتائجه القانوني أن يصدر عن السلطة المختصة.

وإذا لم يكن تفويض الدولة لرئيسها بالتصديق علي المعاهدة الدولية صحيحا، اعتبر التصديق صادرا من جهة غير مختصة بإجرائه، وبالتالي لا يترتب عليه أثر بالنسبة للدولة .

وأقر القضاء الدولي هذه النظرية في قضايا عديدة، منها الحكم الذي أصدره الرئيس الأميركي “كليفلاند” في 22 مارس عام 1868 بوصفه محكما في النزاع الذي ثار بين كوستاريكا ونيكاراغوا، حول معاهدة الحدود المبرمة بينهما عام 1858، إذ ذكر صراحة أنه لابد من الرجوع للقوانين الأساسية للدولة عند تحديد مدى شرعية المعاهدة التي أبرمت باسم تلك الدولة.

تتضمن مصداقية الاتفاقيات الدولية الأسس القانونية التي ينص عليها القانون الدولي المعاصر، وتعني المصداقية في هذا الصدد القيمة القانونية الدولية الكاملة التي يأتي في الصدارة منها الشرعية، والتي بنتيجتها تعتبر الاتفاقية لازمة التنفيذ من قبل الاطراف المتعاقدة، ولازمة الاحترام من قبل الدول الأخرى، وتعني المصداقية حصول الآثار القانونية التي يتوخاها أشخاص القانون الدولي العام من وراء إبرام الاتفاقيات الدولية وفقا للقانون الدولي.

لا مرية أن الاتفاقيات الدولية ذات المصداقية هي تلك الاتفاقيات التي لا يمكن النقاش أو الشك في قوتها القانونية من وجهة نظر القانون الدولي، والتي لا يمكن أن توجه ضدها أية احتجاجات قانونية دولية.

ويمكن فقط للاتفاقيات الدولية ذات المصداقية أن تولد آثارا شرعية للأطراف المتعاقدة، وبواسطة هذه الاتفاقيات فقط يمكن للأطراف أن تكتسب الحقوق والواجبات القانونية التي تم التوافق والتراضي بين الدول عليها .

إن اتفاق الصخيرات يعد الدستور الناظم الذي يحدد سلطات واختصاصات المؤسسات الليبية المختلفة، ولذلك فالتقيد بالإجراءات الدستورية أثناء إبرام لاتفاقيات الدولية يشكل أحد شروط مصداقيتها، وهذا الأمر مجمع عليه في النظرية العامة للقانون الدولي.

وبناء علي ذلك تعتبر المادة 46 من اتفاقية فيينا الخاصة بقانون المعاهدات الدولية عام 1969، التقيد بالإجراءات الدستورية أحد الشروط الأساسية لمصداقية الاتفاقية الدولية.

ولذلك فالاتفاقيات الدولية التي تبرم بخلاف ذلك الموجب تعتبر غير شرعية، وباطلة ويمكن نقضها من قبل الأطراف في أي لحظة.

إن مصداقية الاتفاقيات الدولية، بالرغم مما سبق ذكره ، لا تعتبر شرطا لسريان مفعولها، فواقعا يمكن للاتفاقية الدولية أن تعمل، وفي الوقت ذاته لا تكون ذات مصداقية إذا تم عقدها بالمخالفة لميثاق منظمة الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي المعاصرة.

وستعتبر الاتفاقية نافذة فقط في مواجهة أطرافها والدول التي اعترفت بها فقط .

لذا فقد خابت سوء النية، وفُضِح خُبث المقصد اللذان شابا عقد مذكرة التفاهم الليبية- التركية لتحديد مناطق الاختصاصات البحرية في شرق البحر المتوسط.

ويبقي الموجب الدولي علي الجماعة الدولية أن تعمل علي إبطال مثل هذا الهرج الذي لم تخبر به الجماعية الدولية من قبل، خاصة فيما يتعلق بمبادئ القانون الدولي للبحار.

بكره أحلى
رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير : وجدى وزيرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات