الخميس, يناير 21, 2021
الرئيسيةمقالات الكُتابأطوار خلق الإنسان (وقد خلقكم أطوارا)
مقالات الكُتاب

أطوار خلق الإنسان (وقد خلقكم أطوارا)

كتب : الاستاذ الدكتور على  فؤاد مخيمر 

أطوار خلق الإنسان

قال تعالى: ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴾ [نوح: 13، 14].

يُبيِّن تبارك الله وتعالى أن تخلُّق الإنسان إنما يحدُثُ على أطوارٍ متتالية، ثم يُشير في سورة المؤمنون إلى أهمِّ هذه الأطوار؛ حيث يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [المؤمنون: 12 – 14].

لقد جاء القرآن الكريم بحقائقَ عن خلق الإنسان لم تكنِ البشريةُ قد عرَفَتْها بعدُ، ومِن أهم هذه الحقائق أن الخلق لم يكن دَفعة واحدة، وإنما مرَّ بمراحلَ مختلفةٍ تدرَّج فيها الجنين من النطفة إلى العَلَقة إلى المضغة إلى تكوُّن العظام، ثم كساء العظام باللحم، ثم اكتمال الخلق، وتوضيح هذه الحقائق الربانية مرجعُها لله تعالى أولًا، ثم اكتشاف المِجهَر الإلكتروني وآلات التصوير المتطوِّرة وغيرها، كلُّ هذه الأشياء كانت عواملَ سمَحَت للعلماء بإجراء تجارِبَ كانت تبدو قبل سنوات فقط مِن الأحلام الخيالية؛ حيث تَم التوصل إلى فَهْمٍ ووصفٍ دقيق لمراحل التخلق الجنيني.

حقائق علمية:

لقد كشف علمُ الأجنةِ الحديثُ عن المراحل التي يتمُّ فيها خلق الإنسان، ولم يجدِ العلمُ الحديث ما هو أنسب ولا أفصح من ألفاظ القرآن الكريم للتعبير عن هذه المراحل والأطوار؛ وهي:

1 – مرحلة التخلق الأولى، وهي: (النطفة – العلقة – المضغة – تخلُّق العظام – كساء العظام باللحم).

2 – طور النشأة.

3 – طور قابلية الحياة.

4 – طور الحضانة الرحمية.

5 – طور المخاض.

وإليك أخي القارئ توضيح بعض هذه الحقائق باختصار:

أولًا مرحلة التخلق الأولى:

مرحلة الحمل: وتشمل النطفة والعلقة والمضغة وتخلُّق العظام، ثم كسوة العظام باللحم؛ حيث قال في هذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم – فيما رواه مسلم عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه -: ((إن أحدَكم يُجمَع خلقُه في بطن أُمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك عَلَقةً مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مُضْغةً مثل ذلك، ثم يُرسَل المَلَكُ فينفُخُ فيه الرُّوح، ويؤمر بأربع كلمات: بكَتْب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد))، من هذا الحديث نفهَم أن جميع خلق الإنسان ومراحله يتم في الأربعين يومًا الأولى.

1 – مرحلة النطفة: وهي خلال عملية الإخصاب والتقاءِ ماء الرجل وماء المرأة، وتتكون النُّطفة الأمشاج؛ أي: البُوَيضة الملقَّحة، وبهذا تبدأُ مرحلةُ النطفة – ومعناها اللُّغوي القطرة – وتستغرق مدةً زمنية هي الأيام الستة الأولى من الحمل، ويبدأ بعد ذلك التحوُّل إلى طور العَلَقة في اليوم الرابع عشر.

وفي اليوم السادس تقريبًا تَشقُّ النُّطفة طريقَها إلى تحت سطح بطانة الرحم، مُواصِلَة انقساماتِها الخلوية وتطورها وانغراسها في جدار الرحم.

2 – طور العَلَقة: تستمرُّ الخلايا في الانقسام والتكاثر، ويطلق عليها اسم التوتة؛ حيث تُشبِه ثمرةَ التوت بتقسيمها الخارجي بعد مرحلة النُّطفة، ويتصلَّب الجنين بذلك، ويأخذ الجنين في اليوم الحادي والعشرين شكلًا يُشبِه العلقة، كما تُعطي الدماءُ المحبوسة في الأوعية الدموية للجنين لونَ قطعةٍ مِن الدم الجامد، وبهذا تتكامل المعاني التي يدل عليها لفظ (علقة) الذي يُطلق على دودةٍ تعيش في البِرْكة وعلى شيء مُعلَّق.

3 – طور المضغة: يبدأ هذا الطور بظهورِ الكُتَل البدنية في اليوم الرابع والعشرين أو الخامس والعشرين في أعلى اللوح الجنيني، ثم يتوالَى ظهور هذه الكُتل بالتدريج إلى مؤخرة الجنين.

وفي اليوم الثامن والعشرين يتكوَّن الجنين من عدة فلقات تظهَرُ بينها انبعاجاتٌ؛ مما يجعل شكلَ الجنين شبيهًا بالعِلْكة الممضوغة، ويزداد اكتساب الجنين في تطوُّره شكلَ المضغة تدريجيًّا من حيث الحجم، بحيث يكتمِلُ هذا الطور في بقية الأيام الأربعين الأولى من حياته، وينتهي هذا الطورُ بنهاية الأسبوع السادس.

وقد أثبت العلمُ الحديث أن المُضْغة تمرُّ بمرحلتينِ:

أ – مرحلةٌ لم يتشكَّل فيها أي عضو أو جهاز، وأسماها مرحلة المضغة غير المُخلَّقة.

ب – المرحلة الثانية؛ حيث يتم فيها تمييز الأجهزة المختلفة، وتُسمى مرحلةَ المضغة المُخلَّقة، وهذا ليس بجديدٍ في ديننا الحنيف؛ حيث يتَّضِح فيه إعجازُ ربِّ العزة في وصفه لطورِ المضغة بقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾ [الحج: 5].

وفي الأسبوعِ السابع تبدأ الصورةُ الآدمية في الوضوح، نظرًا لبداية انتشار الهيكل العظمي، فيُمثِّل هذا الأسبوع (ما بين اليوم 40 و45) الحدَّ الفاصل ما بين المضغة والشكل الإنساني.

4 – طور العظام: يبدأُ الهيكل الغُضْروفي في الانتشار في الجسم كله مع بداية الأسبوع السابع، فيأخذ الجنين شكل الهيكل العظمي، وتكوُّن العظام هو أبرزُ تكوينٍ في هذا الطورِ؛ حيث يتم الانتقال من شكل المضغة الذي لا تُرى فيها ملامحُ الصورة الآدمية إلى بداية شكل الهيكل العظمي في مدَّة زمنية وجيزة، وهذا الهيكل العظمي هو الذي يعطي الجنينَ مظهرَه الآدمي.

5- طور الكساء باللحم: يتميَّز هذا الطور بانتشار العضلات حول العظام، وإحاطتها بها كما يُحيط الكساء بالجسم، وبتمام كساء العظام بالعضلات تبدأ مرحلةُ كساء العظام باللحم في نهاية الأسبوع السابع، وتستمرُّ إلى نهايةِ الأسبوع الثامن، وهذا ما عبَّر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿ فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ﴾ [المؤمنون: 14].

ويعدُّ هذا الطورُ الذي ينتهي بنهاية الأسبوع الثامن نهاية مرحلةِ التخلُّق؛ كما اصطلح علماء الأجنة على عدِّ نهايةِ الأسبوع الثامن نهايةً لمرحلةِ الحميل (Em – byo)، ثم تأتي بعدها مرحلةُ الجنين Fetus التي تُوافِق مرحلة النشأة؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿ فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [المؤمنون: 14].

ثانيًا مرحلة النشأة خلقًا آخرَ:

النشأةُ لغةً: مصدرٌ مشتق مِن الفعل نشأ، وهذا الفعل له معنيانِ: الأول: الارتفاع بالشيء، والثاني ربَا وشبَّ ونما.

ويبدأ هذا الطور بعد مرحلةِ الكساء باللحم؛ أي: مِن الأسبوع التاسع، ويستغرِقُ مدةً زمنية يدلُّ عليها استعمالُ حرف العطف ﴿ ثُمَّ ﴾ الذي يدل على فاصل زمني بين الكساء باللحم والنشأة خَلقًا آخر؛ قال تعالى: ﴿ فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [المؤمنون: 14].

وفي خلالِ هذه المرحلة تتمُّ عدةُ عمليات مُهمَّة في نمو الجنين، تتدرج بجلاءٍ في سرعةِ معدل النمو في الأسبوع التاسع مقارنةً بما قبله من المراحل؛ ففي المدة ما بين الأسبوعين التاسع والثاني عشر تبدأُ أحجام كلٍّ مِن الرأس والجسم والأطراف في التوازنِ والاعتدال.

وفي الأسبوع الثاني عشر يتحدَّد جنس الجنين بظهور الأعضاء التناسلية الخارجية، ويتطوَّر كذلك في نفس الأسبوع بِناءُ الهيكل العظمي من العظام والغضروفية الليِّنة إلى العظام الكلية الصلبة، كما تتمايز الأطراف، ويمكن رؤية الأظافر على الأصابع، وكذلك يظهر الشَّعر على الجِلد في هذا الطور، ويزداد وزن الجنين بصورةٍ ملحوظة، وتتطور العضلات الإرادية وغير الإرادية، وتبدأ الحركاتُ الإرادية في هذا الطور، حتى تُصبح الأعضاء والأجهزة مهيَّأةً للقيام بوظائفِها، وفي هذه المرحلة يتمُّ نفخ الروح طبقًا لِما دلَّت عليه نصوص القرآن الكريم والسُّنة المطهَّرة؛ قال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ [ص: 71، 72].

فالرُّوح منحةٌ من الحق تبارك وتعالى للإنسان وهو لا يزال في بطن أمه، عندما يرسل إليه المَلَك فينفُخُ فيه الروح، وقد بيَّن ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح))، وذلك بعد (120 يومًا)؛ أي: بعد أربعة أشهر، وهذا ما يطابق ما وصل إليه العلم الحديث.

ثالثًا: طور القابلية للحياة:

تبدأ تهيئةُ الجنينِ للحياة خارجَ الرَّحِم في الأسبوع الثاني والعشرين، وتنتهي في الأسبوع السادس والعشرين، عندما يصبح الجهاز التنفسيُّ مُؤهَّلًا للقيام بوظائفه، ويُصبِح الجهاز العصبي مُؤهلًّا لضبط حرارة جسم الجنين، وهذه المدة تقريبًا ستة أشهر قمرية، وهي المدة اللازمة ليصبح الجنين قابلًا للحياة، وقبل الأسبوع الثاني والعشرين – الذي يبدأ منه هذا الطور – يخرج سِقْطًا في معظم الأجنة.

رابعًا: طور الحضانة الرَّحِمية:

يدخل الجنين بعد الشهر السادس مدَّة حضانةٍ تتمُّ في الرحم، فلا تنشأ أجهزة أو أعضاء جديدة؛ فكلُّها قد وُجِدت وأصبحت مؤهَّلة للعمل، ويقوم الرَّحِم فيها بتوفير الغذاء والبيئة الملائِمة لنموِّ الجنين، وتستمرُّ إلى طور المخاض والولادة.

خامسًا: طور المخاض:

بعد مرور تسعة أشهر قمرية يبدأ هذا الطور الذي ينتهي بالولادة، ويمثل هذا الطور مرحلةَ التخلي عن الجنين مِن قِبَل الرحم، ودفعه خارج الجسم؛ قال تعالى: ﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾ [عبس: 20].

فهذه حقائقُ تُبيِّن وجه الإعجاز في القرآن الكريم والسُّنة المطهرة لمراحلَ وأطوارٍ تقعُ في مختلف مراحل التخلُّق – حسب تسلسُلها الزمني – التي تصف التغيُّرات التي تطرَأُ على هيئة الجنين مع التخلق في كل مرحلة على حِدَةٍ.

وما كان في وُسْع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعرِف هذه الحقائق في القرن السابع الميلادي؛ لأن معظمَها لم يُكتَشَف إلا في القرن العشرين، وهذا يشهد بأنها وحي من الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وصدق رب العزة إذ قال: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [النمل: 93].

بكره أحلى
رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير : وجدى وزيرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات