مقالات الكُتاب

حلم الاختيار والعيش في بلاد الأحرار.. حقيقة أم خيال..

حلم الاختيار والعيش في بلاد الأحرار.. حقيقة أم خيال..

نهله درويش
الدكتوره /نهله درويش

بقلم :الدكتوره نهله درويش

ارهقت كثيراً بسبب التفكير في مسألة الاختيار.. فهل يملك الإنسان الحرية المطلقة ليمارس الاختيار في مختلف شئون حياته؟.. هل أمكنه يوماً ما تحقيق حلمه للعيش دون قيود والتمتع بدرجة من الحرية كتلك التي توجد في بلاد الأحرار.. البلاد التي تنادي بشعارات الديمقراطية والمساواة في الحقوق الإنسانية مهما توالت الأيام واختلفت الأقدار.. أم أن هذا يعتبر ضرب من ضروب الأوهام وسعي وراء خيالات صنعت عن عمد أو دون عمد لجعلنا نتوهم أننا نتمتع بالاختيار ونحلق طائرين عاليا في عالم الأحرار..

في مؤلف “دمعة وابتسامة” كتب جبران خليل جبران (رأيت الحرية الحقيقية تسير وحدها في الشوارع وأمام الأبواب تطلب مأوى والقوم يمنعونها. ثم رأيت الابتذال يسير بموكب عظيم والناس يدعونه الحرية)..

وبالرغم من أنني اشعر بحقارتي ككاتبة أمام عظمة إبداعية جبران خليل جبران ورعة وصفه للمشاعر والحالات المعاشة. إلا أنه لفت انتباهي اشارته في مواقع عدة من مؤلفه إلى مختلف القيود التي تكبل حرية الإنسان، وتضعه داخل قضبان حديدية.. قضبان قد لا يراها، ولكنه يعيشها، بل ويظن أنها من صنعه واختياره.

وكثر تعجبي عندما قرأت مقال لكاتبة أجنبية تحت عنوان ” أفضل نصيحة تليقتها من أبي، قوله: كوني قوية التصميم والعزم على فعل أي شيء تختاريه”.. وتحكي الكاتبة أنها قد تلقت هذه النصحية وهي تقريباً في بداية سن المراهقة.. وتشير أنها جعلت هذه النصيحة كمبدء أساسي في أسلوب حياتها العملية، حيث عملت في عدة مجالات حرة.. وفي كل مجال كان لديها التصميم الكافي لتنفيذ ما تختاره، والعزم الجيد لتحقيق النجاح في مجال العمل الذي اختارته.. إلى أن استطاعت في نهاية المطاف تكوين عملها الخاص وتأسيس شركتها وإنمائها وتطويرها..

وتمنيت أن نحظي بمثل هذا النوع من الحرية.. الانتقال من مجال عمل لمجال آخر, والاشتغال بمهن مختلفة.. ممارسة أعمال نختارها ونؤديها بحب وشغف وليس بإكراه وبغض.. ولكن للأسف يبدوا أن اغلب الأعمال والوظائف التي نؤديها، نقوم بها من قبيل منطق الجبرية.. المنطق الذي يحد من قدرتنا على الاختيار, فمثلاً البعض منا يقوم بعمل معين أو وظيفة ما نظراً لأنه لا يوجد أمامنا خيار آخر، فحاجتنا للعمل والظروف الاقتصادية للمجتمع الذي نعيش فيه، أو حتى ظروفنا الخاصة، هو الذي يفرض علينا مبدأ الجبرية ويحد من فرص الاختيار.

وبالتأكيد هناك عوامل أخرى مشاركة في الحد من فرص الاختيار.. كالموروثات الثقافية والشكليات الاجتماعية.. فالبعض من الشباب قد يخجل من القيام ببعض الأعمال في المجال الخدمي أو المهني، فقد يرفض الشاب العمل في مكان ما لخدمة بعض الزبائن وتقديم وجبات الطعام لأنه يرى أن هذا العمل لا يليق به، وقد يلحق به نظرة الاحتقار في عين أصدقائه وأقاربه.. وذلك لاعتقاده أن مثل هذه النوعية من الأعمال تهين كرامته وتحط من منزلته الاجتماعية, وخاصة إذا ما واتته الجرأة لخطبة فتاة ذات تطلعات كبيرة.. ومن ناحية أخرى يقوم الأهل بدور مؤثر في نمو هذا الشعور المخذي لدى الشاب من القيام ببعض الأعمال، فالأهل تفضل عدم تشجيعهم على الاشتغال بالأعمال الخدمية أو المهنية.. ويأتي هذا من منطلق الحب الزائد للأبناء أو الوصاية الزائدة عليهم والمبالغة في حمايتهم من أي اهانة أو وضع قد يسيء لهيئتهم الاجتماعية.. طالما أن الأب يرى أنه بإمكانه التكفل بمطالب ابنه المادية، ولذا يفضل عدم بعض الأسر اشتغال الأبناء بأيه من الأعمال الخدمية أو المهنية..

وتلعب الموروثات الثقافية والمرجعيات الفكرية دوراً جوهرياً في تحديد أو تأطير حرية اختيارنا للأشياء والأمور.. يدخل ضمن هذه الموروثات والمرجعيات العديد والعديد من القيود والضغوط التي تحد من حرية اختيارنا للأمور.. منها على سبيل المثال ضغوط الخوف والقلق.. الخوف من المستقبل، القلق على الأبناء.. الخوف من فقد شخص عزيز، الخوف من الوحدة والتقدم في العمر، الخوف من ضياع العمر دون تحقيق الأهداف والآمال المنشودة.. الخوف من العوز والحاجة والفقر، القلق على الثروة والمال من الضياع أو الزوال.. فالمال والثروة يمارسا ضغوطاً مخيفة وغير متوقعة للحفاظ على تملكهما.. فكلاهما له قوته وسلطته الجبرية على تقييد حرية الاختيار، وعلى صاحب المال ذاته، نظراً لما يفرضه عليه من آمال واطماع لا تنتهي، آمال وأطماع تظل تعلو وترتفع وتسير مسرعة غير مكترثة بمأساة بعض البشر..

ومن أشكال قيود الحرية التي تفرض نوع معين من التحكم في اختيارتنا، الصورة الاجتماعية التي نحرص دائماً على رسمها بشكل معين وبألوان قد تكون صناعية، وذلك حتى نكتسب مكانة الاحترام والتوقير الاجتماعي بأعين الآخرين.. وحتى نتجنب “كلام الناس”.. كلام الناس الذي قد يمثل هو أيضاً قيد من قيود حرية الاختيار، بل ويشكل نوعاً من الضغوط الجبرية لتوجيه خيارتنا الحياتية.. كأن يضطر الفتى/ الفتاة قبول الزواج بأي شخص تحاشياً لكلام الناس والتعرض للمعايبة والمعايرة.. أو تجنب المطالبة بالطلاق بالرغم من المعاناة اليومية للعيش حياة بائسة تعسة..

بل وقد يتمادى البعض في التفنن في كيفية تجميل الصورة بأجمل الألوان خوفاً من التعرض للمعايرة ونظرات الاحتقار والتدني في درجات القيمة الاجتماعية.. وبسبب ذلك يتنامى الخوف بداخل كثير منا من مخالفة الأعراف والنواميس الاجتماعية المقبولة.. وإن بدى أن هذا الخوف قد تراجع في ظل الأحداث الجارية نتيجة حدوث بعض التغيرات ونمو حدة بعض التعبيرات الثورية.. ولكن بالرغم من ذلك مازال هناك اهتمام بالغ لدى البعض بتجميل الصورة..

وكما يتفنن البشر في تجميل صورتهم كواجهة اجتماعية.. هناك أيضاً هيئات أو جهات متخصصة في صناعة الواقع.. كتجميل صورة شخص معين، كما في حالة الانتخابات.. أو توجيه الرأي العام لقبول أو رفض وضع معين أو سياسة ما.. أو حتى التشكيك في مسلمات فكرية أو تراثيات معينة.. كل هذا وغيره يمثل نوعاً من الضغوط والقيود للحد من حرية الاختيار.. وتدعيم فرض نظرية الاجبار.. حتى في بلاد الأحرار.. البلاد التي حملت شعار الديمقراطية والحرية عبر البحار.. ولكنها فرضت أيضاً نظمها وقيودها التي تعزز نظرية الاجبار والحد من فرص الاختيار..

وستظل الحرية حلم نلاحقه ونسعى لتحقيقه، فكلً منا يحمل تصوره الخاص عن مفهوم الحرية، يفلسفه كما يشاء.. بدءً من رؤية الحكام وانتهاءً برؤية الشعب.. وأياً كانت الرؤية.. فمن المؤكد أن هناك مجموعة من القيود والضغوط التي تتحكم في نظام الحياة.. قد تكون قيود صناعية (صنعت بمعرفة أشخاص أو بلدان) أو تكون قيود حياتية تشكلت على مر الأيام.. ولكن سيظل الإنسان يتمنى تحقيق حرية الاختيار والعيش في بلاد الاحرار مهما اُثقل بالضغوط وكُبل بالقيود.. فقد تكون إرادته القوية شكل من أشكال الحرية.. تلك الإرادة التي بإمكانها تحويل أحلام الخيال إلى واقع، وحياة كريمة حرة غير بعيدة المنال..

د. نهلة أحمد درويش

دكتوراة في الآداب – علم الاجتماع

بكره أحلى

رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير : وجدى وزيرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى